تداخل الثقافي والسياسي لدى التيار الرسالي في المغرب

الثقافة الشفهية والشعبية في المغرب تزخر برموز ومسميات مستمدة من المذهب الشيعي، الذي لا يمكن فصله عن تحولات اجتماعية وسياسية وفقهية شهدها المغرب، لكنّ التمييز واجب بين التشيع المذهبي والتشيع السياسي، وهذا ما نجده في أطروحات التيار الرسالي كمؤسسة ثقافية.
الاثنين 2016/08/22
التنوع الثقافي في المغرب لا يهدد النسيج الاجتماعي

الرباط – نجد في الأدب والشعر والملحون بالمغرب، الكثير من الحديث عن مأساة الحسين بصفة عامة، ودائما في إطار رصد مختلف العادات ومظاهر الالتقاء مع الثقافة الشيعية في المشرق، يطلق المغاربة على قوس قزح الذي يظهر في الأفق بعد نزول المطر ويعكس ألوان الطيف؛ حزام فاطمة الزهراء.

والأبرز من بين هذه المظاهر المذكورة، إحياء ذكرى “عاشوراء” في بعض المناطق، حيث يقوم الأطفال بإلباس عظم معتنى به من الأضحية، كسوة في صورة دمية ثم يخفونه إلى حين يوم العاشر من محرم، فيقومون بدفنه ويجعلون منه طقس ندبة وبكاء، كما أنه عند بعض المناطق بالمغرب يوم حزن لا يطهى فيه طعام ولا يغسل فيه لباس، حيث يتحدث فيه البعض على أنه يوم مقتل حفيد النبي محمد (ص).

وتسود كذلك في يوم عاشوراء لدى بعض المناطق المغربية، مظاهر إشعال النيران بشكل كبير، ما يحيل إلى حدث إضرام النار في خيام معسكر الإمام الحسين. كما تقوم البعض من النساء، قبل إحياء ذكرى “عاشوراء”، بقص شعورهن وخضابه بالحناء، ووضع الحناء على أيديهن وأرجلهن، كما يضعنها على أيدي الأطفال. بالإضافة إلى طقس تسويد الوجوه، الذي يعبر عن الحزن على الإمام الحسين بن علي الذي قتل يوم عاشوراء.

من المظاهر الحديثة التي تؤكد استمرار الاتصال بالتشيع الذي عرفه المغرب تاريخيا، ظهور أفراد من المغاربة في منتصف خمسينات القرن الماضي يدعون المهدوية، وتسموا بـ“الحركة البهائية” تعرض أفرادها للمحاكمة والمتابعة وصدرت في حقهم أحكام قضائية صارمة، بالإضافة إلى دحض فكرهم عبر كتابات فقهية للبعض من العلماء. وكذلك ظهر رعيل من الأعلام والمؤلفين ذهبت كل كتاباتهم ومصنفاتهم في سياق الدفاع عن فكر آل البيت، والنقض على أعلام ومفكري المذاهب الأخرى، ومثلت عائلة آل الصديق بطنجة هذا الاتجاه.

ترجع جذور هذه المظاهر والعادات إلى فترات تاريخية سابقة، لا يمكن فصلها عن التحولات العقائدية والفقهية التي خضع لها أهالي المغرب، وحيث مازالت هذه الموروثات الضاربة في القدم تتمظهر، وتجد لها حظوة وتقديرا عبر التعبيرات الشفهية والاحتفالات الدينية ومختلف الطقوس، فإن هذا كله لن يشكل سوى إغناء للهوية المغربية، وتأكيد أنها هوية مركبة لها عدة مكونات ثقافية، وليست هوية بسيطة تنطلق من وحدة ثقافية موحدة في المجتمع.

“الخط الرسالي” في أطروحته السياسية والثقافية، ينطلق من اعتبار الحركة الثقافية مدخلا لبناء الحركة السياسية، وأن هذه الأخيرة أداة للتغيير.

الخط الرسالي يؤكد أنه ليس تيارا يمثل الدين، بل هو خط ينتصر لنمط من التدين، يعترف بباقي أنماط التدين الأخرى

وإدراكا من الرساليين لطبيعة العلاقة القائمة بين الثقافي والسياسي، فإن التيار الرسالي يرى أنه لا بد من الاشتغال بمنطق الثقافة السياسية، أي مقاربة القضايا السياسية من زاوية ثقافية، وكذلك بطريقة عملية في الميدان عن طريق الاشتغال في المواقع السياسية، بهدف اكتساب التجربة التي تخوّل لأفراد التيار القدرة على الفعل في عمق المجتمع المدني والسياسي.

طلب أفراد “الخط الرسالي” من السلطات المغربية الترخيص لجمعية “رساليون تقدميون”، لكن وزارة الداخلية رفضت منحهم الترخيص القانوني. فاتجه الخط إلى صيغة بديلة عن الجمعية تتجلى في طلب الترخيص لمؤسسة ثقافية ذات أهداف ربحية، تخضع للقانون التجاري ولا تمارس وزارة الداخلية وصايتها عليها، وبالفعل نجح الخط في هذه الخطوة، وحصل على ترخيص من المحكمة التجارية بمكناس لعمل مؤسسة الخط الرسالي للدراسات والنشر في بداية سنة 2014.

ويؤكد الخط أنه ليس بتيار ديني ولا بتيار يمثل الدين، بل هو خط ينتصر لنمط من التدين، وهذا يمكن اعتباره إشارة واعترافا ضمنيا بباقي أنماط التدين الأخرى التي تقابله. يختزل “الرساليون” الصراع بين توجههم وباقي التوجهات بأنه صراع حضاري ذو جوهر ثقافي، تتم الاستعانة فيه بالسياسة والاقتصاد كأدوات للهيمنة الثقافية.

في رؤية “الخط الرسالي” للمسألة المذهبية والحقوقية بالمغرب، أن الإسلام والمواطنة شكّلا مرتكزي التجربة السياسية التاريخية للمغرب، وأن النزعات الدينية والمتطرفة هي حالات طارئة على المجتمع المغربي، ويجب التصدي لها للحفاظ على التعايش والتسامح الديني بالمغرب، وفي هذا السياق يؤكد التيار الرسالي إيمانه بمبدأ أن لا إكراه في الدين، مع ضرورة احترام اللادينيين لغيرهم من المتدينين، وذلك لصيانة الأخلاق والضمير الجمعي للمجتمع المغربي.

في واقع التشيع بالمغرب حاليا، يرى التيار الرسالي أنه يجب التمييز بين التشيع السياسي والتشيع المذهبي، والتعاطي مع النموذجين بسياستين مختلفتين: سياسة تتعاطى مع التشيع السياسي، وأخرى ثقافية واجتماعية لنموذج التشيع المذهبي.

* خلاصة من بحث عبدالرحمن كامل “جغرافية الشيعة والتشيع بالمغرب”، ضمن الكتاب 115 (يوليو 2016) “إيران ودول المغرب: المسألة الشيعية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13