تدارك انهيار التسوية الخليجية ضرورة لإنقاذ اليمن

الجمعة 2014/08/08
طفلة يمنية تدرس في حافلة تحولت إلى مدرسة متنقلة في صنعاء

صنعاء - في الوقت الذي يجري فيه التحضير لانعقاد الاجتماع السنوي لأصدقاء اليمن على مستوى وزراء الخارجية في سبتمبر المقبل، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تزداد شكوى اليمنيين من تأخير الجهات المانحة في تنفيذ تعهداتها البالغ مجموعها 7.8 مليار دولار.

على الرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، إلا أن فريقا من الخبراء أعد تقريرا استراتيجيا لصالح مؤسسات مجلس التعاون الخليجي، وصف فيه الأوضاع في اليمن بأنها تنطوي على تحديات كبيرة في كل المستويات السياسية والأمنية، والاقتصادية وتأثرها بالتطورات الإقليمية، وحذّر التقرير من أن التسوية السياسية التي رعتها دول الخليج العربي لتأمين انتقال السلطة "تترنح في هذا البلد".

ساهمت المبادرة الخليجية التي وقعت عليها الأطراف السياسية معارضة وموالاة، في عقد مؤتمر الحوار الوطني، الذي نتجت عنه وثيقة تعالج الأوضاع اليمنية كافة، وتنص على وضع دستور جديد للبلاد والتوصل إلى “وثيقة الضمانات” التي تنص بدورها على تشكيل حكومة وحدة وطنية ومجلس شورى.

وأشار التقرير إلى أن هذه الخطوات إما نفّذت بشكل جزئي أو لم تنفذ أصلا، حتى أن مبادئ وثيقة الضمانات لم يحصل فيها أي التزام حقيقي، بما في ذلك مبادئ الشراكة الوطنية والتوافق والحكم الرشيد والتقييم الدائم. كذلك لم يكتب النجاح لإحداث تغيير حقيقي وتعزيز المواطنة والخطاب الإيجابي على صعيد وسائل الإعلام.

بالنسبة إلى الانتخابات، لا يمكن أن تجري في ضوء النزاعات الانفصالية في الشمال والجنوب والحرب الطائفية الفتاكة بين الحوثيين وتنظيمات القاعدة من جهة، والأخيرة وجيش السلطة المنقسم، من جهة أخرى، لذلك المطلوب من أصدقاء اليمن الإسراع لتدارك انهيار التسوية الخليجية وإنقاذ اليمن.


وضع اقتصادي واجتماعي مترد


الوضع السياسي المضطرب ينعكس سلبا على اليمن، المصنّف، حتى من قبل سقوط نظام علي عبدالله صالح، كأحد أكثر دول المنطقة والعالم فقرا وأضعفها تنمية. وحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2014 سجل اليمن أكبر عدد من الفقراء الذين يعيشون أوجها متعددة ومتداخلة من الحرمان، إذ بلغ عددهم 7.7 مليون شخص في عام 2006، آخر عام تتوفر عنه البيانات.

10.5 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي

وحذّر صندوق النقد الدولي من صعوبات مالية واقتصادية يواجهها اليمن إذا لم يحصل على مساعدات خارجية أكبر، وينفذ إصلاحات مالية عاجلة، وأوضح ممثل صندوق النقد الدولي في صنعاء غازي شبيكات أن المساعدات الخارجية المسحوبة التي التزمت بها الدول المانحة، لم تصل إلى المستوى الذي كان متوقعا، ما أدى إلى ارتفاع العجز في الموازنة. لكنه رأى أن صنعاء استطاعت أن تبقي هذا العجز تحت السيطرة من خلال ضبط النفقات وخاصة الرأسمالية منها.

لكن الصندوق، في الوقت نفسه، نبه إلى محدودية المبالغ التي يمكن توفيرها من الجهاز المصرفي اليمني، مشيرا إلى أن استمرار التوسع في الاستدانة عبر بيع أذونات الخزينة والسندات لتغطية عجز الموازنة، وفي خفض النفقات الرأسمالية، لا يتناسب مع متطلبات المرحلة التي يجب أن يحقّق اليمن خلالها معدلات نموا أعلى للمــساهمة في تخفيــض نسب الفقر والبــطالة.

اللافت في هذا المجال أن الاجتماع السابع لأصدقاء اليمن، الذي عقد في 29 أبريل 2014 في لندن على وقع سلسلة أعمال وتفجيرات إرهابية متكررة عطلّت خطوط أنابيب النفط ومنشآته، لم يتخذ أي التزامات مالية جديدة لإنقاذ الاقتصاد المتدهور والذي أدى إلى تفاقم مشكلة البطالة التي وصلت إلى 35 بالمئة بشكل عام، ونحو 60 بالمئة بين الشباب، إضافة إلى سلسلة أزمات انسانية يعانيها اليمن على نطاق واسع، منها أن ثلث السكان البالغ عددهم 25 مليون نسمة يعيشون تحت حد الفقر، أي أقل من دولارين في اليوم، ونحو 10.5 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي، مع العلم أن هذا البلد بحاجة إلى نحو 12 مليار دولار لمعالجة المشاكل التي تعصف به، وفق تقارير حكومية.

ويوضح أحدث مسح أجراه برنامج الأغذية العالمي، بالاشتراك مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، أن معدلات سوء التغذية المزمن لدى الأطفال دون سن الخامسة تحتل المرتبة الأولى عالميا.

وقال جيريمي هوبكنز، القائم بأعمال ممثل اليونيسف في اليمن: "لا يزال الأطفال أشد فئات السكان تضررا نتيجة انعدام الأمن الغذائي وانتشار سوء التغذية في اليمن. من بين نحو 4.5 مليون طفل دون سن الخامسة، يعاني أكثر من طفلين من كل 5 أطفال من التقزم في حين أن 13 بالمئة تقريبا يعانون نقص التغذية الشديد".

على الرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات على إطلاق المبادرة الخليجية لم يلمس اليمنيون التغيير الذي أرادوه

ويعاني ما يقرب من 70 في المئة من سكان صعدة، المحافظة الشمالية، من انعدام الأمن الغذائي، بينما تنخفض النسبة لأقل من 10 في المئة من سكان المهرة في شرق البلاد. وتعتبر المناطق الريفية أكثر المناطق تضررا في البلاد.


الإصلاح الاقتصادي


في الوقت الذي أشار فيه أصدقاء اليمن إلى ضرورة استمرار الحاجة للإصلاح الاقتصادي وخصوصا في مجال مكافحة الفساد، وتسهيل الاستثمار بالبنية التحتية، وزيادة توفير الخدمات الأساسية، لكي يمضي هذا البلد على طريق الاستقرار والكفاءة الذاتية، أكد هؤلاء على ضرورة وضع جدول زمني لقرارات تهدف لزيادة وتيرة إنفاق التعهدات المالية، على أن يشمل الإصلاح معالجة مشكلة دعم الوقود، لتخفيف الأزمة المالية التي تلوح في الأفق، وحثوا الحكومة اليمنية على تعزيز الاستقرار الاقتصادي من خلال متابعة المفاوضات لإقرار برنامج صندوق النقد الدولي.

ولم يهمل أصدقاء اليمن في اجتماع لندن تكرار إدانتهم للاعتداءات على شبكات الكهرباء وأنابيب النفط والغاز التي تكبد الاقتصاد الوطني بسببها خسائر هائلة، مؤكدين رفضهم التام لدفع فدية للإرهابيين.

في الوقت نفسه اتفق أصدقاء اليمن على “تطوير عمل المجموعة وتقديم الدعم الكامل لمبادرة مجلس التعاون الخليجي واعتماد آلية التطبيق في ثلاثة مجالات أساسية: عملية الانتقال السياسي والإصلاح الاقتصادي والتنمية وإصلاح قطاع الأمن والقضاء”، على أن تقدم فرق العمل تقاريرها للجنة التوجيهية التي ترفع بدورها تقريرا إلى اجتماع أصدقاء اليمن السنوي الذي سيعقد على مستوى وزراء الخارجية في نيويورك في سبتمبر المقبل، لتقييم ما تحقق من تقدم.

هكذا، على الرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات على إطلاق “المبادرة الخليجية”، لم يلمس اليمنيون التغيير الذي أرادوه، لا سيما فيما يتعلّق بأوضاع اليمن الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق العدالة والتنمية ومحاربة الفساد.

ويبدو أن الجهاز التنفيذي في صنعاء، الذي أُنشئ لتسريع استيعاب تعهدات المانحين ودعم تنفيذ الإصلاحات، لم يتمكن حتى الآن من تحقيق أهدافه، لذلك أكد وزراء خارجية دول أصدقاء اليمن على ضرورة تكثيف عمل الجهات المانحة مع هذا الجهاز لتسهيل إنفاق التعهدات المالية، خصوصا بعدما تبين أن قدرة الحكومة الاستيعابية للقروض والمنح الخارجية ضعيفة وبطيئة جدا، فمن إجمالي 7.8 مليار دولار تعهدها المانحون، حُوَّل 6.7 مليار دولار أو 85.1 بالمئة، ولكن لم يُخصَّص سوى 3.9 مليار دولار أو 49.6 بالمئة، فيما بلغ ما أُنفِق منها 2.07 مليار دولار أو 26.2 بالمئة.

في هذا المجال أكدت المديرة التنفيذية لـ “الجهاز التنفيذي اليمني” أمة العليم السوسوة أن عدم الاستقرار السياسي والأمني في اليمن حتى اليوم يعيق العمل التنموي، والحكومة القائمة بإمكاناتها الحالية وظروفها والتحديات الكبيرة التي تواجهها، لن تستطيع تحقيق التنمية المنشودة للحد من البطالة والفقر ومعالجة التحديات المزمنة المتعلقة بسوء التغذية وتحقيق الأمن الغذائي.

وترى السوسوة، أن ” تحقيق التنمية يتطلب أولا توفر مستوى مقبول من الاستقرار السياسي والأمني اللازم، يخلق بيئة اقتصادية واستثمارية مستقرة تساهم في حشد جهود شركاء الحكومة من القطاع الخاص والمجتمع المدني والمانحين، إلى جانب الجهود التنموية الحكومية للوصول إلى نتائج تنموية مقبولة يلمس أثرها المواطن وتنعكس في تحسن مستوى معيشته”. وأضافت: "على المواطن أيضاً مسؤولية في دعم الجهود الحكومية لتثبيت الأمن والاستقرار، لا تقل أهمية عن دور الشركاء الآخرين".

جيريمي هوبكنز: الأطفال أشد الفئات تضررا نتيجة انعدام الأمن الغذائي في اليمن

وأوضحت المسؤولة اليمنية في إشارة تحذيرية بقولها: "ندرك جميعا أن اليمن في حاجة ماسة إلى تنفيذ إصلاحات مالية بعد التراجع الاقتصادي الذي تبدو عواقبه وخيمة لدرجة أن الحكومة قد لا تتمكن من دفع رواتب الموظفين".

أما بالنسبة إلى معالجة الصعوبات التي تواجه استيعاب تعهدات المانحين، فقد قدم “الجهاز التنفيذي” سلسلة توصيات، منها إعادة تخصيص أموال المشاريع المتعثّرة وإنشاء مشاريع استراتيجية وتبني برامج تتضمن مشاريع قصيرة الأجل، وتطوير قاعدة بيانات ونظام معلوماتي ومؤسسي لتحديد الأولويات واختيار المشاريع الممولة خارجيا، والمساعدة في إقرار جدول زمني ملزم للحكومة والمانحين يتضمن مراحل إعداد المشاريع والتدفقات المالية اللازمة لتنفيذها، وأوصى الجهاز بدعم بناء نظام مؤسسي وإداري مناسب للمساعدات الخارجية، ومعالجة التحديات المتعلقة بالدراسات الفنية للتصاميم، والمساعدة في حل المشاكل المتعلقة بنسبة مساهمة الحكومة في المشاريع الخارجية وإقناع المانحين بتحملها.


العجز المالي


يعتبر اليمن منتج صغير للنفط، ولديه احتياطات مؤكدة تبلغ نحو ثلاثة مليار برميل، بحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، وتشكل حصة صادرات الخام التي تحصل عليها الحكومة من تقاسم الإنتاج مع الشركات الأجنبية نحو 70 بالمئة من موارد الموازنة و63 بالمئة من إجمالي صادرات البلاد ونحو 30 بالمئة من الناتج المحلي.

من هنا تبرز أهمية وخطورة الخسائر الكبيرة التي يتكبّدها الاقتصاد اليمني من جراء التفجيرات المتكررة لخطوط أنابيب النفط خصوصا في محافظة مأرب، وانعكاسها السلبي على الموارد المالية، والعجز الكبير الذي تعانيه موازنة الدولة، مع الإشارة إلى أن المبالغ المدفوعة إلى وزارة الدفاع والوحدات العسكرية في مقابل حماية أمنية، تصل إلى نحو 238 مليون دولار سنويا تمولها موازنة الدولة.

التسوية السياسية التي رعتها دول الخليج العربي لتأمين انتقال السلطة تترنح في اليمن

ويتجلى تقصير الحكومة وإهمالها لواجباتها، في الاتهام الذي وجهته إليها لجنة التنمية والنفط والثروات المعدنية في مجلس النواب، وأوضحت فيه ” أن لدى الحكومة اليمنية معلومات كاملة عن الذين يقفون خلف تفجير أنابيب النفط والاعتداء على المنشآت النفطية، ومع ذلك لم تتخذ الإجراءات القانونية بحق هؤلاء”، مؤكدة أن خلق بيئة استثمارية في المجالات النفطية والغازية لن ينجح ما لم تقم الحكومة بواجبها في الحفاظ على سلامة المنشآت النفطية والعاملين فيها.

وأدت تفجيرات أنابيب النفط المتكررة إلى تراجع الإنتاج من مليوني برميل شهريا إلى أقل من 800 ألف برميل، وهو انخفاض كبير أحدث عجزا كبيرا في فاتورة النفط، مع العلم أن الانفاق الفعلي على فاتورة المشتقات النفطية بلغ 6 مليار دولار في العام 2013، منها 4.8 مليار دولار قيمة المستورد، ما دفع الحكومة إلى رفع أسعار البنزين بنسبة 75 بالمئة، والديزل (السولار) بنسبة 90 بالمئة، وذلك في إطار خطة لخفض دعم الطاقة ضمن إصلاحات اقتصادية تحاول اليمن اتخاذها للوفاء بمتطلبات صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 560 مليون دولار.

في إطار المؤشرات السلبية لنتائج تراجع إنتاج النفط، كشف تقرير صادر عن البنك المركزي اليمني، أن احتياطي النقد الأجنبي، سجل تراجعا منذ بداية العام 2014 ليصل إلى أقل من 5 مليار دولار، وحذر البنك من أن تراجع الاحتياطي النقدي، يضع اليمن في “دائرة الخطر” ويؤثر سلبا على الاقتصاد اليمني من خلال ارتفاع حجم الدين الداخلي الذي تجاوز 130 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي، نتيجة لجوء الحكومة إلى أدوات الدين وأذون الخزينة لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة، مشيرا إلى ضرورة البحث عن حلول لتفادي وقوع المزيد من الانخفاض.

6