"تداعيات" عرض إماراتي تجريبي ومشاكس

مسرحية "تداعيات" للمخرج مرتضى جمعة تتقابل وتتعارض فيها ثنائيات الأداء المسرحي في حياة استعادية خصوصا حين يكون رجل وامرأة وصورتهما.
الأربعاء 2018/03/21
بطل أرهقته العزلة فعاود الحياة

إيقاع واحد تحكّم في العرض المسرحي الذي قدّم ضمن أيام الشارقة المسرحية الثامنة والعشرين. وفي العرض عاود المؤلف أحمد الماجد والمخرج مرتضى جمعة مغامرة مسرحية جديدة، من خلال مسرحية “تداعيات”، ليستندا معا على حس تجريبي ومغامرة جديدة تسبر عميقا في دواخل شخص أرهقته العزلة، ولم يجد أمامه إلاّ معاودة الحياة.

ومن خلال استعادة لعلاقة لم يعوزها الحب بالمرة، بل الإصرار على محاولة خلق “لعبة” افتراضية مع الذات، كي تتحوّل تلك الخيانة المؤدية إلى الانفصال الكلي إلى لحظة مرآوية جديدة يستعيد من خلالها الرجل (أدى الدور حميد فارس) مسارات حياته العادية جدا.

وقسمت المسرحية إلى نفس أولي لشخص يعيش عزلته ويسائل مصيره الحتمي، كي يعود إلى استرجاع علاقته بزوجته (الفنانة بدور الساعي) ضمن سلسلة من العلاقات المركبة، ويقابل هذا الاختيار رؤية المخرج التي تركت مساحة للسينوغرافيا كي تشكل إيقاعا موازيا يحدث أثرا مباشرا بالوحدة.

وفي المسرحية تتقابل وتتعارض ثنائيات الأداء المسرحي، في حياة استعادية، خصوصا حين يكون رجل وامرأة وصورتهما، ونعني هنا الصورة في شبابهما، فيتحوّل الأمر سيان حين يصبح الرجل في مواجهة ذاته، وهنا لا تحديد لهوية الشخص، ولا يهم اسمه بقدر ما تصبح هواجسه وتشظيه وجها آخر، جعل منها الممثل حميد فارس إيقاعا واحدا من بداية العرض إلى نهايته.

ومسرحية “تداعيات” للمخرج المسرحي الإماراتي الشاب مرتضى جمعة، هي خطوة خامسة مع المؤلف المسرحي أحمد الماجد، تجربة تراهن على إعطاء لمسة ومسحة تجريبية، ولا تحاول أن تذهب بعيدا في مغامرتها، فرغم ذلك تقيّد المخرج بالمكونات الأساسية للعرض المسرحي، في محاولة للاقتراب من صوت إنسان لا يكلّ من مساءلة ذاته ومساره الحياتي، حيث إيقاع الرتابة التي حاول في لحظة استعادية أن يجعل من لعبة الخيانة أمرا ممكنا لتغييرها، فهل التغيير، المر والقاسي أحيانا، يجعل من هذه اللعبة ذريعة لعرض مسرحي جعل من الضوء سبيلا للنجاة.

وحين يتمسّك الرجل بالضوء، ومثيله الشاب (أحمد مال الله) في مشهد قبل نهاية الـ”فلاش باك”، يصبح فضاء المسرح سبيلا افتراضيا وحيدا لاستعادة حيواتنا المفقودة، وجزءا من نفس اللعبة التي تحاول المرأة أن تستعيدها مع الفتاة (ريم الفيصل) إلى درجة تماهي المرأتين في تجل دون تمييز.

وتصبح بالتالي ثنائيات العرض المسرحي “تداعيات” هدفا ومقترحا إخراجيا، لا مقترح كتابة درامية أولى، بل يتماهى المخرج مع كتابته الركحية ليقدّم لنا بديلا لشخوص تندغم في النهاية في جسد واحد، المهم، ليس هو الشخص، أيا كانت مسمياته، بل المهم هو هذا العبور الاستعادي المرآوي.

وفي لحظة مفصلية، يصبح المسرح داخل المسرح، تقدّم المرأة دورها بامتياز، على افتراض أنها أمام القاضي لتقنعه بخيانتها، الخيانة برجل افتراضي أيضا، لكن مآل الحب والرابط الذي يجمع بينها وبين شخص غير قادر على الاستمرار، ولا أن يضمن لشجرة أنسابه امتدادا، جعل من “تداعيات” قد تبدو اعتباطية أحيانا، وعادية بشكل لافت، إلى لحظة سؤال وجودي، بهذا الميسم الأنطولوجي يتشظى الشخص وهو يعود في لحظة نهائية إلى نفس المكان.

المكان الفارغ الذي ينسحب منه، تاركا خلفه أوراق الخريف، وحيوات عابرة مرّت دون معنى تماما، مادامت لا تكتمل إلاّ بوجود هذا الصراع، بوجود أناس آخرين يعيشون معه، ويتصارعون، ويمارسون نفس الأفعال: الحب، الخيانة، الخيبة، الغناء، الرقص.. والتمثيل.

16