تداعيات أزمة النفط تمتد إلى صناعة الإسمنت الجزائرية

الأربعاء 2015/02/18
مصانع لافارج الفرنسية في الجزائر تحظى برعاية تفوق المصانع الحكومية

الجزائر- تفتش السلطات الجزائرية عن أبواب لخفض الإنفاق بعد اشتداد أزمتها المالية بسبب تراجع أسعار النفط العالمية. وتصاعد الجدل بين الجزائريين عن جدوى الكثير من الصناعات الخاسرة، لكن السلطات تخشى تفجر الاحتجاجات إذا ما أقدمت على تسريح العمال.

أثار تزايد لجوء السلطات الجزائرية إلى إجراءات التقشف بسبب تراجع العوائد النفطية، جدلا واسعا عن جدوى استمرار المشاريع الصناعية المتعثرة في قطاعات مثل الإسمنت والحديد، في ظل تراجع مردوديتها وتكبد معظمها خسائر كبيرة.

وتشكل تلك الصناعات عبئا ثقيلا على الموازنة الحكومية، وتجد نفسها مضطرة لمواصلة ضخ الاستثمارات فيها، رغم توقعات بتراجع الطلب على منتجاتها بسبب تراجع الإنفاق الحكومي على مشاريع البنى التحتية.

وكانت الحكومة قد راهنت على دخول السوق الدولية للإسمنت بدخول عدة مصانع حيز الخدمة بحلول عام 2017. وكانت تعوّل عليها في تغطية الطلب المحلي، الذي من المتوقع أن يبلغ نحو 26 مليون طن سنويا بحلول ذلك التاريخ.

لكن معطيات الأزمة النفطية باتت تفرض نفسها على مستقبل الصناعة في الجزائر، ومنها صناعة الإسمنت التي ضخت الحكومة فيها استثمارات ضخمة، رغم الشكوك المحيطة بجدواها الاقتصادية.

ويقول خبراء جزائريون إن الحكومة تسير بمنطق شد الحزام وأن الحديث عن مواصلة الإنفاق على البرامج الاجتماعية ودعم المواد الاستهلاكية مجرد شراء للوقت قبل الصدمة المنتظرة.

وتؤكد تصريحات رئيس الوزراء عبدالمالك سلال قرب إلغاء وتأجيل بعض المشروعات واحتمال اللجوء للسوق المالية لتمويل بعض المشروعات الأخرى، مما يرجح انكماش مشاريع البنى التحتية والإسكان، وهو ما ينعكس سلبيا على إنتاج الإسمنت ويرهن مصير الاستثمارات الطموحة لتلبية السوق المحلي والتوجه للتصدير.

وكان تقرير “غلوبال سيمنت ديريكتوري” الصادر عن معهد الدراسات الجيولوجية الأميركي، قد أدرج الجزائر ضمن أكبر 20 دولة منتجة للأسمنت في العالم، بإنتاج بلغ 21 مليون طن في عام 2013.

9 مليون طن من الإسمنت تنتجها مصانع لافارج الفرنسية وهي مرشحة للهيمنة على القطاع

وقال إنه “رغم ذلك فإن الجزائر سجلت عجزا يبلغ 5 مليون طن، وهو ما تم تغطيته بواردات بلغت قيمتها 400 مليون دولار في عام 2013، بسبب تنامي مشاريع البنى التحتية والسكن” في ذلك الحين.

وتوقع التقرير حينها أن تؤدي الاستثمارات الجديدة إلى تلبية جميع الطلب المحلي وتوجيه فائض متواضع للتصدير.

وتملك الجزائر 14 مصنعا للأسمنت، منها 12 مصنعا تابع للمجمع الجزائري لصناعة الإسمنت (جيكا) الحكومي بقدرات إنتاج في حدود 12 مليون طن، إضافة إلى وحدتين لصناعة الإسمنت تابعة لمجموعة لافارج الفرنسية بقدرات إجمالية في حدود 9 مليون طن.

ورغم الأرقام الضخمة فإن الفوضى تهمين على سوق الإسمنت في الجزائر، بسبب الفساد والممارسات البيروقرطية التي تتحكم بها “لوبيات” الإسمنت التي تتحكم في السوق وتفرض الأسعار التي تريدها، رغم احتجاجات شركات البناء، وهو ما أدى بالحكومة في عام 2012 للتدخل وفرض سقف على أسعار الإسمنت وإدخال آليات جديدة لتلبية الطلب المحلي.

وشرعت الحكومة منذ عام 2013، في تنفيذ خطة لزيادة قدرات إنتاج المجمع الجزائري للإسمنت إلى 26 مليون طن سنويا بحلول 2017، من خلال وضع 10 خطوط إنتاج جديدة حيز الخدمة باستثمارات إجمالية تقدر بملياري دولار، في ما تتمثل الخطوط الأخرى في توسيع قدرات إنتاج 6 من المصانع الحالية.

ودخل القطاع الخاص المحلي والمستثمرين الأجانب إلى صناعة الإسمنت حيث أعلنت مجموعة سيفتال المملوكة لرجل الأعمال يسعد ربراب، الذي يعكف على إطلاق مصانع بطاقة 10 مليون طن، في محافظتي البويرة وقسنطينة شرق البلاد.

وزير الصناعة عمارة بن يونس اعترف بوجود أزمة إسمنت وعجز الحكومة في التحكم بالسوق

كما وقعت مجموعة بريتوريا بورتلاند الجنوب أفريقية في العام الماضي، اتفاقية مع شركة الحضنة للإسمنت لإنتاج مليوني طن سنويا من مصنع بمحافظة سطيف، وستحصل الشركة الجنوب أفريقية على 49 بالمائة من أسهم المشروع وتتولى تسييره.

وكانت تقديرات الشركة تستند إلى أسعار الغاز المنخفضة جدا في السوق الجزائرية وقرب مواقع الإنتاج من مواقع الاستهلاك والنمو الكبير في الطلب المحلي.

ولم يتسن أخذ موقف المجموعة في الوضع الجديد، بعد الظروف التي فرضها تراجع أسعار النفط على الاقتصاد الجزائري، ودخول الخطط الاقتصادية الجزائرية ومشاريع الإسكان مرحلة المراجعة.

وكان وزير الصناعة والاستثمار عمارة بن يونس قد اعترف بوجود أزمة إسمنت في الجزائر، وعجز حكومي في التحكم بالسوق، الأمر الذي ساهم برأيه في تفشي المضاربة والاحتكار والدفع باتجاه إعادة النظر في سعر المتر المربع من الخرسانة.

لكن الحكومة كانت تواسي الجزائريين بوعود رفع الإنتاج إلى مستويات قياسية والذهاب للاستيراد بدخول عدد من الاستثمارات الخاصة والحكومية حيز الخدمة مع بداية العام 2017.

ويرى محللون أن خطاب الحكومة يصطدم بالواقع الذي يهمن عليه لوبي الإسمنت المرتبط بفرنسا، حتى دون تراجع أسعار النفط، وأنه لم يكن بإمكان الجزائر إدخال مصنع الجلفة للإسمنت جنوب العاصمة، نتيجة الضغوطات والعراقيل المصطنعة، من أجل إبعاده عن المنافسة وفسح المجال أمام مصانع شركة لافارج الفرنسية لصناعة الإسمنت.

وأكدت مصادر مطلعة لـ”العرب” أن مصير أكبر مصنع حكومي للإسمنت في الجزائر لا زال يكتنفه الغموض ولم تتعد نسبة إنشائه 50 بالمئة، في حين عرفت مصانع شركة لافارج الفرنسية بمحافظة معسكر تقدما ملحوظا وهو يوشك على دخول الخدمة.

وعزت المصادر الأمر لإرادة سياسية في البلاد تريد تقديم خدمة لفرنسا على حساب مصالح الصناعة المحلية.

11