تداعيات إلغاء الإمارات صفقة التايفون البريطانية

الاثنين 2013/12/30

تتعامل دول الغرب عموما، وبريطانيا على وجه الخصوص، مع قضايا الدول الأخرى بمفهوم غريب، وتطلب منها دائما أن تسير كالمترو على خط واحد رسمه الغرب، ويتسبب الخروج عنه لأي سبب من الأسباب في تعطيل مسيرتها.

فالكثير من المشاكل العالمية غالبا ما كانت تجد مبررات التدخل فيها من جانب الغرب عموما، بمقياس ما خطّه من خطوط حمراء وصفراء وخضراء.

رغم أن القوانين التي وضعها الغرب لم يتقيد حتى من في الغرب بها، وهو ما نشهده جليا في امتلاء السجون بالبشر، والعنف واللا أمان اللذان يميزانه، ولم يتقيّد الغرب بقوانينه التي يقيس عليها تصرّفات وأفعال الآخرين، في تعامله مع دول قام بتصنيفها ضمن العالم الثاني أو الثالث، غير آبه بتغيّر الموازين والعقول والأوضاع كثيرا في الفترة التي فصلت بين المرحلة الاستعمارية والحالية.

فإلغاء دولة الإمارات العربية المتحدة لصفقة طائرات التايفون التي كانت قد اتفقت عليها مع بريطانيا، لم يمر بسلام، ويبدو أن بريطانيا التي علّقت بإجابات مقتضبة على الصفقة بأنها «من قبيل التعامل التجاري»، ولا تفسد للود السياسي قضية، قد أعطت صحفها الضوء الأخضر لتنفيس غضب بريطانيا من هذا الإلغاء.

فقامت الأخيرة بإعادة تشغيل الاسطوانات المشروخة التي استخدمتها دائما بلا جدوى، من قبيل حقوق العمال، وما أسمته بالمعتقلين، متناسية أن حقوق العمال في الإمارات، لو لم تكن بالمستوى اللائق لما تدفقت العمالة البريطانية إليها، ولما فضّل الكثير من العمال الإمارات على بريطانيا وسواها.

واشتعلت الصحف البريطانية فجأة ودون أدنى مقدمات تنتقد الإمارات التي أثارت حنقها بإفقادها هذه الصفقة التاريخية، وأيضا رئيس وزرائها ديفيد كاميرون الذي “لم يفعل ما فيه الكفاية لإقناع الإماراتيين”.

وفي حقيقة الأمر أن الإمارات تراجعت عن اختيارها هذه الطائرة بسبب أن أداءها العملي في ليبيا خلال كنسها لمعمر القذافي لم يكن بذات المستوى الذي انتظرته منه، غير أن الإلغاء أطاح بطموحات بريطانيا في الفوز بهذه الصفقة الضخمة.

وهو ما تبيّن من تقرير الديلي تلغراف التي أوردت تحت عنوان “طموحات بريطانيا في الخليج تعاني من ضربة مع رفض الإمارات صفقة تايفون”، بقولها: “إن طموح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في إحياء الروابط البريطانية مع الخليج، التي تنطوي على 230 زيارة وزارية إلى المنطقة منذ 2010، في حالة تشويش، بعدما رفضت دولة الإمارات صفقة بالمليارات لشراء طائرات تايفون”.

في الحقيقة أن انزعاج بريطانيا من إلغاء الإمارات للصفقة وضعها في موقف حرج، خاصة وأنها لا زالت تتحاور مع البحرين ولها عقود مع السعودية وعُمان، وقد يؤثّر هذا الرفض على كل تلك الصفقات أو يلغيها، خاصة وأن الدول الخليجية لا تزال ممتعضة من موقف بريطانيا حيال عدد من القضايا العربية، خاصة المشكلة السورية التي ساهم قرار مجلس العموم البريطاني فيها، في إطالة عمر نظام بشار الأسد، ومنح إيران فرصا مضاعفة لتمكين تدخّلها في القرار الســــــوري، ودخولها مساندا فعالا في الحرب.

الهجوم على قوانين العمل، وما أسمته الصحف البريطانية بقضايا وحقوق المعتقلين بعد إلغاء الصفقة مباشرة، وضع المراقبين في حيرة من أمرهم، إذ كيف تغفل الصحف البريطانية القضايا العمالية في أمكنة كثيرة من العالم، وتركّز على دولة الإمارات؟

ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

ولماذا زار رئيس وزرائها الإمارات طالما أنها لا تفي بما يسمونه حقوق العمال، والذي جنّدت له أياد خفية بجانب الصحافة، كالمنظمات التي تدّعي حرصها على حقوق الإنسان، رغم أن تلك المنظمات مُنيت بضربة كبيرة حينما تم إدراج رئيس إحداها ضمن قائمة الداعمين للإرهاب، وهو القطري عبدالرحمن النعيمي رئيس منظمة الكرامة القطرية الإخوانية.

ورغم أن الدولة سمحت للعديد من المنظمات الحقوقية بإجراء تحقيقات مختلفة عن حقوق العمال في الإمارات، والتي لا تضاهيها قوانين عمالية أخرى في المنطقة، وعادت بما لم يرضِ من حاولوا الاستهداف.

وفي حقيقة الأمر فإن العلاقات الغربية مع الدول الأخرى مبنية على معايير وضعها الغرب، وفصّلها على طبيعة مجتمعاته، ودائما كان يقيس أفعال الدول الأخرى بما فصّله من مقاييس ناسيا أن لكل دولة خصوصيتها وعاداتها ومعتقداتها التي تحتّم عليها ألا تكون نسخة مطابقة لما رسمه.

فعلى سبيل المثال أوردت صحيفة The Huffington Post الأميركية تحت عنوان “العالم مسرح: فهل ستلعب الإمارات دورا ما”، في مقال كتبته صحفية زارت الإمارات “تذكري، إذا رأيتني في المطار، ومهما صنعت، فلا تعانقيني أو تلمسيني بأية طريقة.. هذا ما قاله لي أحد أعز أصدقائي عبر الهاتف عندما كنت أقوم أخيرا، قبل سنة من الآن، بتحضيرات السفر للذهاب إلى أبوظبي لرؤيته. بهذه النصيحة التي قدمها لي في آخر لحظة، وقبل أن أقفل الخط لأتوجه لركوب الطائرة التي ستأخذني في رحلة طويلة جدا، علمت أن هذه العطلة ستكون مختلفة جدا عن أية عطلة أخرى أتذكرها”، واعتبرته في نهاية مقالها انتهاكا للحرية الشخصية، وهو نموذج من النماذج التي أرادت بها الصحف مهاجمة الإمارات.

ومن المعروف أن الإمارات سنّت قوانين عمالية صارمة ورادعة تنصبّ كلها في خدمة العمال، ومنها حقوقهم في ممارسة معتقداتهم الدينية، وحقوقهم في التنقل بين الإمارات بحُرية، ولم تحبسهم في معسكرات كما تفعل الكثير من الدول، وأيضا منعت الشركات من استخدام العمالة في ساعات الشمس المحرقة، ولم تمنع أحدا من تحويل ما يشاء من أموال لبلده وأهله، وحافظت قوانينها على كافة الحقوق في العلاج والرفاهية.

بل أن الكثير من الشركات الكبرى أنشأت ملاعب رياضية، وكثيرا من العوامل الترفيهية والخدمية في مواقع التجمعات العمالية، وهو ما جعل العمالة تتدفق للدولة من كل مكان، وتفّضلها على الأمكنة الأخرى.

وتبقى أسطوانة ما أطلقت عليه الصحف البريطانية وصف المعتقلين أكثر شرخا من الاسطوانة العمالية، فالإمارات في أكثر من موقف أوضحت بجلاء أنها لا يمكن أن تتعامل إلا كدولة قانون، ودائما كانت تنتصر للدستور الذي تراضى عليه مجتمعها لموافقته كافة المعايير الإنسانية المرتبطة بالخصوصية والعقيدة، وأنها احتراما لخصوصية بريطانيا، لم تطالب بمطلوبين ومحكومين يعيشون طلقاء في بريطانيا، ويحاولون دائما دون رقيب أو حسيب تشويه سمعة الدولة وقادتها وشعبها، رغم العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات الموقّعة بين البلدين، ولم تحتج يوما على التعامل القانوني لبريطانيا مع مواطن إماراتي طالما أنه خرق تلك القوانين، ولم تتدخل يوما في خصوصية بريطانيا في تعاملها مع مواطنيها أو من يفد إليها.

غير أن الصحف والمنظمات الحقوقية البريطانية ظلّت دائما تقيم الدنيا ولا تقعدها عندما يمثل أحد مواطنيها أمام القضاء الإماراتي حال خرقه القانون، فقضية شاطئ الجميرا على سبيل المثال والتي حدثت قبل سنوات حينما أوقفت شرطة دبي مواطنين بريطانيين يمارسان الحب في مكان عام غير آبهين بمشاعر من حولهما ولا خصوصية المجتمع، وأيضا قضية الشاب الأميركي الذي انتهك الأمن الوطني في فيلم تمّ بثّه على اليوتيوب، ظلّت الصحف الأميركية وكذلك البريطانية تلوكهما باستمرار، وتطالب بالإفراج عنه، دون أن تذكر الأسباب الحقيقية التي تم إيقافه بارتكابها، ودون أن تراعي أن هناك دولة منظمة، ونظاماً قضائياً، وخطوطا مجتمعية حمراء، وكأنما تريد من الدولة عند صفعها على الخدّ الأيمن، أن تدير لها الخد الأيسر لمواصلة الصفع دون مقاومة واحتجاج، وهي ازدواجية غريبة لا يملك الإعلام البريطاني مبررا لانتهاجها.

ويبدو أن الإعلام البريطاني لا زال يتعامل بعقلية الوصاية التي ناءت بثقلها العديد من الدول والمجتمعات، غير أن السياسة الواضحة لدولة الإمارات انحازت إل مصلحة وطنها وشعبها، فهي قد تعوّدت على أعلى المواصفات والمعايير للدرجة التي اشتهرت فيها دائما بالرقم واحد.

كاتب إماراتي

9