تداعيات الإغلاق تقلب موازين سوق العمل الخليجي

أزمة الوباء تساعد حكومات المنطقة على تسريع وتيرة توطين الكفاءات المحلية.
السبت 2020/06/06
نهاية طفرة العمالة الوافدة في الخليج

تؤكد تحليلات الخبراء أن أزمة إغلاق الاقتصاد العالمي المرتبط بفايروس كورونا وتداعياتها على اقتصادات دول الخليج العربي الست ستقلب موازين سوق العمل في المنطقة رأسا على عقب مع تزايد احتمالات الاستغناء عن عشرات الآلاف من الوافدين، الأمر الذي يمهد الطريق لنهضة الكفاءات المحلية، والذي لطالما كان هدفا لحكومات المنطقة.

الكويت - كشف خبراء في مجال سوق العمل أن أزمة كورونا تشكل فرصة سانحة لحكومات دول الخليج العربي من أجل الإسراع في تنفيذ خطط توطين الكفاءات المحلية.

وتصب الترجيحات في تسارع وتيرة تسريح العمالة والموظفين وخاصة من الوافدين بفعل أسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخ دول المنطقة الست.

واستقطبت دول الخليج على امتداد سنوات خاصة مع صعود أسعار النفط أعدادا كبيرة من الأيدي العاملة الوافدة، لاسيما في مجال الخدمات والإنشاءات والإدارة.

ولكن بفعل صدمة انخفاض أسعار النفط وتأثيرات أزمة كورونا بات جزء من الوافدين يشكل في الوقت الحالي فائضا عن الحاجة الحقيقية لسوق العمل وعبئا على اقتصادات منطقة الخليج.

وأربك ازدياد العمالة الوافدة مشكلة التركيبة السكانية لدول الخليج الست، خاصة من قدموا دون كفاءة أو من يزاولون أعمالا في الاقتصاد الموازي والهامشي غير المنظم كالأعمال الحرة واليومية أو غير القانونية.

وأشارت دراسة حديثة نشرها مركز مجلس الخليج العربي للدراسات والبحوث، ومقره الكويت، إلى أن الوظائف المرتبطة بالمواهب والمهارات والخبرات التقنية والكفاءات النادرة فقط من ستصمد أمام موجة تغيرات محتملة في دول المنطقة.

ومنذ سبعينات القرن الماضي، ساهم الملايين من العمال من ذوي المهارات المنخفضة من جنوب وجنوب شرق آسيا في النمو الاقتصادي السريع لدول الخليج، التي يفضل مواطنوها الوظائف المريحة ذات الرواتب المرتفعة في القطاع الحكومي.

وذكرت الدراسة أن دول الخليج ومؤسساتها قد تستغني مؤقتا وتدريجيا عن عشرات الآلاف من الأيدي العاملة الوافدة على المدى القريب في حال تعمق الركود الاقتصادي العالمي واستقرار أسعار النفط دون 40 دولارا إلى نهاية 2022.

40 في المئة من العمالة الوافدة في دول المنطقة ستتضرر قياسا بالضرر المترتب عن أزمة 2008

وتأتي هذه المعضلة بالتزامن مع توقعات تشير إلى انكماش اقتصادات دول الخليج في ما تبقى من العام بنحو 4.4 في المئة، على أن تعود للنمو في العام المقبل.

وسيكون القطاع غير النفطي أكثر القطاعات تأثر بأزمة الوباء كونه سيكون مضطرا للتأقلم أكثر مع الأوضاع المالية الجديدة وبالتالي تقليص النفقات الزائدة عن الحاجة، وهو ما ينعكس بالضرورة على التوظيف.

وتتأثر قدرة حكومات المنطقة على استيعاب ارتدادات صدمة تراجع الإيرادات الحادة من النفط والغاز والسياحة والاستثمار بشكل متفاوت رغم ملاءتها المالية الجيدة على المدى المتوسط.

ولا يمكن لهذه الارتدادات تداركها إذا لم تتضاعف فعليا وتيرة تنويع اقتصادات الخليج مع ضرورة تقليص الإنفاق الحكومي الضخم والاستغناء تدريجيا عن الاعتماد على منظومة العمل التقليدية.

ويقترح خبراء المركز تغيير نمط العمل لقاء الراتب للتحول بالضرورة في الأمد القريب إلى نظام العمل المشترط يستند على معايير الأداء والكفاءة.

وتشير التقديرات إلى أن التوقف الجزئي لنشاط الأعمال والبناء وانخفاض حجم التجارة في دول المنطقة جراء الوباء يقود إلى إلغاء نسبة كبيرة من المشاريع في القطاعين العام والخاص.

الوظائف المرتبطة بالمهارات والخبرات التقنية والكفاءات النادرة فقط من ستصمد
الوظائف المرتبطة بالمهارات والخبرات التقنية والكفاءات النادرة فقط من ستصمد

وسينعكس هذا الأمر على سوق العمل حيث سيفقد الآلاف من الوظائف يوميا، ومن المرجح أن يتضرر أكثر من 40 في المئة من العمال في دول المنطقة مقارنة بحجم الضرر المترتب عن الأزمة المالية العالمية 2008.

ولا يستبعد المركز تخفيض رواتب الوافدين على المدى القريب نتيجة “تقشف موجع” بسبب انكماش النمو في القطاعين العام والخاص جراء طول مدة الإغلاق في دول الخليج فضلا عن احتمال توقف منح العلاوات والفوائد والامتيازات.

ونظرا لأن تبعات أزمة كورونا أعمق من الأزمة المالية العالمية فقد يدفع تأخر مرحلة التعافي نسبة من العمال الأجانب للمغادرة بأعداد كبيرة في ظل زيادة متوقعة لنسبة فقدان الفرص الوظيفية المتاحة للوافدين.

ويعتبر انخفاض أسعار النفط وتراجع الإيرادات وتدني نسب تحقيق فوائض مالية تراكمات قد تنعكس سلبا أيضا على تقلّص إنجاز مشاريع جديدة في الخليج، ما قد ينذر بموجة تسريحات محتملة لليد العاملة والموظفين وزيادة مغادرة الوافدين مقابل تشجيع توطين الوظائف على حساب العمال الأجانب البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة.

ومن الواضح أن حكومات الخليج باتت بحاجة إلى زيادة نسب تأهيل عمالتها المحلية لتعوض أكبر نسبة ممكنة من الأيدي العاملة الوافدة خاصة في الإدارة بالقطاعين العام والخاص وقطاع التعليم والمجالات القانونية والشؤون الدينية والجمعيات.

كما أن القيام بمراجعة شاملة لمنظومة سوق العمل، وربطه بانتداب الكفاءات خاصة في المجال الاستشاري والفني والعلمي أو اليد العاملة الضرورية في قطاعات تشغيلية وأصحاب الحرف أصبح أمرا ضروريا اليوم.

ويتوقع محللون أن تتخذ معظم دول الخليج إصلاحات شبيهة بالتي أجرتها السعودية خلال السنوات الأربع الماضية.

وأكدوا أن اقتصاد أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، تنتظره مكاسب في المستقبل أكبر كثيرا من أي سلبيات قائمة الآن، مع اكتمال إصلاحات سوق العمل.

ولطالما دعا صندوق النقد الدولي دول الخليج العربي مرارا إلى إجراء إصلاحات في سوق العمل ومعالجة معدلات البطالة المرتفعة بين المواطنين، في الوقت الذي لا يزال فيه حجم إنجازات القطاع الخاص الخليجي في سوق العمل متدنيا.

وأكد في الكثير من التقارير الصادرة عنه خلال السنوات الأخيرة على أهمية إيجاد الوظائف في القطاع الخاص، محذرا من أن زيادة التوظيف في القطاع الحكومي تجعل الميزانيات الحكومية أكثر تأثرا بأي هبوط في أسعار النفط.

وبحسب أرقام حديثة نشرها معهد التمويل الدولي، فإن دول الخليج تواجه أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها بسبب تداعيات أزمة الوباء.

ويرجح محللو المعهد أن تراجع إجمالي الناتج المحلي لقطاع النفط سينكمش بنحو 5.3 في المئة نتيجة قرار تحالف أوبك+ بخفض إنتاج النفط، بينما سينكمش الاقتصاد غير النفطي بمعدل 3.8 في المئة نتيجة الإغلاق.

11