تداعيات الانتخابات الأوروبية على الاقتصاد الأوروبي

الاثنين 2014/06/02

تنشغل أوروبا منذ أسبوع بصدمة الزيادة الكبيرة في حصة الأحزاب اليمينية المعارضة للتقارب الأوروبي في مقاعد البرلمان الأوروبي. عناوين الأخبار تعطي صورة قاتمة أكثر بكثير من واقع الأمر.

فحين يتقدم حزب الاستقلال اليميني في تلك الانتخابات في بريطانيا على جميع الأحزاب الثلاثة الكبيرة المهيمنة على الساحة السياسية ويستأثر بثلث المقاعد لوحده، فذلك زلزال كبير على الصعيد الداخلي البريطاني.

وعندما تتقدم الجبهة الوطنية على جميع الاحزاب الفرنسية وتستأثر بربع المقاعد الفرنسية فتلك صدمة أكبر. وتتسع المشكلة حين نضيف تقدم أحزاب أخرى مماثلة في الدنمارك وهولندا وبلدان أخرى.

لكن الصورة تتغير حين نعلم أن حصة جميع تلك الأحزاب لم تتجاوز 20 بالمئة من البرلمان الأوروبي وأن ذلك لن يؤهلها لتغيير حاسم في رسم السياسات الأوروبية.

المفارقة أن هذا الزلزال يأتي في وقت غريب، حين بدأت معظم الدول المتعثرة تخرج من أزمتها الاقتصادية، بل إن البرتغال وايرلندا خرجتا بالفعل من برنامج الانقاذ واقتربت اليونان من العودة للاقتراض من سوق السندات في دليل على عودة الثقة باقتصادها. العلامة الفارقة أن تقدم تلك الأحزاب لم يحدث في الدول المتعثرة، بل في الدول الدائنة.

يمكن قراءة الصدمة من زاوية أخرى لنقرأ تأثيرها الايجابي لأنها ستعطي زخما هائلا لدعوات إصلاح البيروقراطية في المؤسسات الأوروبية بعد فشل جميع المحاولات السابقة.

فالدول التي فازت فيها الأحزاب المعادية لتقارب الاتحاد الأوروبي كانت تشكو من صمم المؤسسات الأوروبية وعدم استجابتها لهواجس المواطنين في تلك الدول.

وصدمة من هذا النوع والحجم ستجعل الاصلاحات حتما مقضيا يؤدي لتقوية الاتحاد الأوروبي وإعادة هيكلتة مؤسساته لتستجيب بشكل أكبر لحاجات وهواجس مواطني تلك الدول. تلك المؤسسات بحاجة فعلا إلى إصلاحات قاسية، لم تكن لتحدث لولا تلك الصدمة.

كما أن فوز تلك الأحزاب اليمينية سيعريها ويكشف ضعف خطابها الشعبوي المعادي لأوروبا، لأنها اعتمدت على عواطف الغاضبين.

قريبا سيدرك من صوتوا لتلك الأحزاب أنها لا تملك حلولا بديلة. وإذا استجابت المؤسسات الأوروبية لأسباب تصويتهم الاحتجاجي فسوف تزول الأسباب التي دفعتهم للتصويت لتلك الأحزاب في الانتخابات المقبلة.

مشكلة أوروبا وأزمة الديون لم تكن مشكلة أوروبية بل مشكلة عالمية، فمعظم دول العالم كانت تقترض دون حساب أن كرة الديون ستعود عليها ويحين وقت الحساب.

فأوروبا التي أنقذت اليونان بأكثر من 320 مليار دولار لا تعاني من شحة التمويل، بل من ضرورة ضبط الموازنات، مثل جسم عليل ليست لديه مشكلة في توفر الطعام بل في سلامة الدورة الدموية وحيوية التوازن بين الايرادات وحجم الانفاق.

وها هي البرتغال وايرلندا واليونان بعد العلاجات القاسية والتقشف تضبط موازناتها وتحقق فوائض فيها بدل العجز الهائل الذي كانت تسجله، لتتعلم الدرس بطريقة قاسية وأن عليها أن لا تنفق أكثر من حجم إيرادات الموازنة.

أزمة الديون نبهت جميع دول العالم وليس الدول الأوروبية فقط أن التمادي في الاقتراض يمكن أن تكون له عواقب وخيمة، لذلك بدأت تتعقب جميع جيوب الترهل وخاصة الإعانات الاجتماعية التي كانت تشجع في معظم الدول الأوروبية على البطالة وتعرقل الدورة الدموية للنشاط الاقتصادي.

خلاصة القول إن التصويت الاحتجاجي جاء على خلفية مرحلة العلاج القاسية وأن الاتحاد الأوروبي اليوم أكثر رشاقة وأقدر على النمو الصحي، بديلا من سياسة مراكمة الشحوم التي اتبعتها بطريقة خطيرة قبل الأزمة المالية العالمية.

11