تداعيات العاصفة الأوكرانية تطرق أبواب الكرملين

الأربعاء 2014/10/15
مكن تعثر يلتسين من صعود بوتين إلى سدة الحكم فهل يتكرر السيناريو معه

واشنطن – تساءل تقرير لمركز “ستراتفور” الأميركي للدراسات الاستراتيجية والأمنية عن السر الذي يكمن وراء احتفال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده، لأول مرة منذ 15 سنة، بمفرده وسط غابات سيبيريا، وهل يمكن أن يفسّر ذلك على أن الرئيس الروسي يواجه أزمة داخلية نتيجة سياسته في أوكرانيا، التي يعارضها الكثير من الروس، وتسببت في وضع اقتصادي صعب.

احتفل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده الثاني والستين (يوم 7 أكتوبر 2014) بطريقة غريبة: وحده في غابات سيبيريا. ولأول مرة خلال الأعوام الـ 15 الأخيرة التي شغل فيها بوتين منصب الرئاسة أو رئيس الوزراء يأخذ إجازة ليحتفل بعيد ميلاده بعيدا عن الأنظار في قلب غابات التايغا بسيبيريا على بعد 400 كم من أقرب تجمع بشري.

وعلى امتداد الأيام القليلة الماضية صرف المتحدث باسم بوتين دمتري باسكوف النظر عن أسئلة الصحافيين حول سبب قرار الرئيس بعدم الاحتفال بعيد ميلاده في موسكو أو القيام بعمل آخر مثلما فعل في السنوات السابقة. وما هذا إلا سلوك آخر غريب يضاف إلى الأحجية التي تزداد غموضا حول استقرار الرئيس الروسي وحكومته ومستقبلهما.


ما هي مواطن عدم الاستقرار الحالية؟


توجد روسيا حاليا في قلب العاصفة. فبالرغم من أن الأزمة الأوكرانية خفّت لتطبخ على نار هادئة، شهدت روسيا انقلابا استراتيجيا في المناطق الحدودية الهامة. فضلا عن ذلك دفعت الأزمة البلدان الغربية إلى تسليط عقوبات على روسيا وإرخاء عدة روابط مالية واقتصادية تجمعها بهذا البلد. والآن يجد الكرملين نفسه وسط أزمة اقتصادية لا تقل خطورة عن الوضع الأوكراني، في كل جوانبها.

في اليومين الأخيرين قام البنك المركزي الروسي باستخدام 1.6 مليار دولار من احتياطاته من العملة الصعبة لدعم الروبل الروسي. ويجدر الذكر أنه منذ بداية سنة 2014 ضخ البنك المركزي 51 مليار دولار من احتياطات العملة ليحافظ على استقرار العملة الوطنية، كما يتوقع أن يسجل الاقتصاد الروسي ركودا، بينما انخفض الاستثمار الأجنبي في روسيا بنسبة خمسين بالمئة.

وربما يمتلك الكرملين 630 مليار دولار احتياطي من العملة الصعبة لكن يتم استخدام هذه الأموال بسرعة في محاولة لرتق التصدعات.

ليس من السهل قياس قبضة بوتين على السلطة من خارج الكرملين، فالقرار بتركيز قيادة جديدة يتخذ داخل جدرانه

وتواجه روسيا عزلة دولية هي الأوسع منذ نهاية الحرب الباردة بسبب دعمها للانفصاليين في أوكرانيا، فيما وجهت العقوبات الغربية ضربة لاقتصادها المتداعي. ومؤخرا وقعت روسيا والصين يوم الاثنين الماضي اتفاقات في مجالات الطاقة والمالية والتجارة وصفتها موسكو بأنها دلالة على تحول في سياستها تجاه آسيا سيساعدها على تخفيف وطأة العقوبات الغربية.

وتسببت المخاوف بخصوص الاستقرار المالي الروسي في تفجير معارك علنية بين مختلف الطوائف في الكرملين. وقد دعا وزير المالية الروسي أنتون سيلوانوف، وهو وجه معروف ينتمي إلى المجموعة الاقتصادية الليبرالية، الرئيس بوتين بصفة علنية إلى تخفيض برنامج روسيا الطموح للانفاق العسكري.

وكانت روسيا تنوي السنة المقبلة الشروع في تنفيذ برنامج إعادة تسليح يمتد لعشر سنوات بكلفة 770 مليار دولار، لكن يقال إن سيليانوف رفض الخطة أثناء تقديم مشروع الميزانية مؤخرا في سبتمبر الماضي مما دفع بوتين إلى تحويل اتخاذ القرار في الإنفاق العسكري إلى إشراف مكتبه وبعيدا عن وزارة المالية.

في حين أن حجة سيلوانوف ضد الإنفاق العسكري تتعلق بالأسباب المالية، على بوتين أيضا أن يأخذ في الاعتبار التداعيات الأمنية والسياسية لمثل ذلك القرار فتواصل الصراعات في الأراضي المتاخمة يتطلب جيشا قويا، إضافة إلى أن بوتين بصدد استخدام الميزانية العسكرية لتهدئة مختلف الدوائر الأمنية والعسكرية في روسيا.


هل يسير بوتين على خطى أسلافه؟


بالرغم من أن بوتين حكم روسيا على مدى خمسة عشر عاما بطريقة مركزية وفردية، يتوجب عليه، مثله مثل أي زعيم آخر، أن يوازن بين مختلف الفصائل داخل البلاد. ما جاء به إلى الحكم هو قدرته على التلاعب بمختلف الفصائل السياسية، وكان غياب هذه القدرة هو ما أطاح بالرئيس بوريس يلتسين في تسعينات القرن الماضي والكثير من الزعماء من قبله.

فقد عجز يلتسين على إدارة التنافس بين الموالين له والدوائر الأكثر ليبرالية من الاقتصاديين والدوائر الأمنية والعسكرية، إذ قام بتغيير السياسات بطريقة فجة من أجل الحفاظ على السلطة ومنها سياساته الاقتصادية الصادمة وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفدرالية. وساهمت هذه الإجراءات الخاطئة في حدوث الأزمة الاقتصادية الروسية وانهيار الأجهزة الأمنية وتآكل الجيش الروسي في الوقت الذي كان يخوض فيه حربا وحشية في شمال القوقاز.

بالرغم من أن الأزمة الأوكرانية خفت لتطبخ على نار هادئة، تشهد روسيا انقلابا استراتيجيا في المناطق الحدودية الهامة

ومكّن تعثر يلتسين من صعود بوتين إلى سدة الحكم، وفهم هذا الأخير أن الزعيم الروسي يمكنه الحكم طالما تمكن من إحداث التوازن بين المجموعات المتنافسة. وبوتين عميل سابق في المخابرات الروسية مما يجعله مرتبطا بالدوائر الأمنية، في حين أن معرفته بحاجة روسيا للتكنولوجيا الغربية تمنحه تفهما للاقتصاديين الأكثر ليبرالية. وأثناء سنواته الأولى في الحكم عمد بوتين إلى تقسيم مكتسبات وآليات السلطة في روسيا بين مختلف الدوائر تاركا إياهم في تنافس دائم وجاعلا من نفسه الحكم النهائي.


أين يكمن المشكل؟


المشكل الآن يتمثل في أن “نظام العشائر” بدأ ينهار، إذ يوجه اللوم إلى الدوائر الأمنية عن الإخفاقات في أوكرانيا، في حين تلام الدوائر الاقتصادية الليبرالية عن الوضع الاقتصادي الصعب. الكثير من الشخصيات والمجموعات يضعون مناصبهم الخاصة (ومداخيلهم المالية) قبل تحسين أوضاع الدولة.

ويواصل بوتين السعي إلى الحفاظ على التوازن مثلما اتضح في مداولات الميزانية في الأسابيع الأخيرة بين الليبراليين والدوائر الأمنية. بيد أن نجاح الرئيس الروسي على مدى 15 سنة في الحفاظ على هذا التوازن جاء في فترة إعادة بناء روسيا وازدهارها، والآن يحاول بوتين ايجاد توازن من موقع ضعف.


ما هي سلطة الكرملين؟


ليس من السهل قياس قبضة بوتين على السلطة من خارج الكرملين، فالقرار بتركيز قيادة جديدة يتخذ داخل جدران المؤسسة الأقوى في روسيا وليس بين الناس. لقد تمت إزاحة زعماء روس سابقين من نيكيتا خروشتشاف إلى ليونيد بريجنيف إلى يلتسين من قبل الأشخاص المقربين منهم، لذا يبدو من المناسب اختيار الزعيم الروسي الحالي الاحتفال بعيد ميلاده بعيدا عن الكرملين ومجموعاته.

6