تداعيات اليتم المبكر تزداد شدة وتعقيدا عند سن النضج

تؤثر وفاة أحد الوالدين أو كلاهما تأثيرا سلبيا في النمو النفسي للأفراد، حيث يظهر هذا جليا في سن البلوغ، إذ أن تداعيات اليتم المبكر قد تتسبب في الكثير من التعقيدات النفسية والاجتماعية؛ مثل صعوبة تكوين علاقات اجتماعية سليمة أو عدم القدرة على الحفاظ عليها، وربما فقدان القدرة على منح الحب وتقبله، وفقدان الصلة بالعالم الخارجي وتدني مستوى النشاط البدني بصورة خاصة.
الأربعاء 2018/02/07
اليتم يسبب الكثير من العقد النفسية والاجتماعية

في الواقع، يعاني أغلب الأشخاص الذين يمرّون بظروف موت الوالدين، من تعقيدات كبيرة جدا يمكنها أن تبدأ في سن الطفولة المبكرة وقد لا تنتهي عند سن النضج، بل إنها تزداد شدة وتعقيدا. وتعد تجربة اليتم والفقدان من أقسى التجارب الإنسانية التي يمكن أن يواجهها بعض ممن قُدر لهم أن يعيشوا تفاصيلها، سواء استمرت وحدتهم أو صادفهم الحظ بأسرة بديلة عوضتهم عن خسارة الأبوين.

ويشير الدكتور غرانت هيلاري برينر؛ الطبيب وأستاذ علم النفس الأميركي وأحد مؤسسي معهد الطب النفسي في منهاتن، إلى أن أغلب الدراسات التي أجريت على بالغين عانوا من فقدان مبكر للوالدين، أظهرت أنهم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق واضطراب تعاطي المخدرات، إضافة إلى اتباع أساليب غير صحية وغير سليمة للتوافق مع الواقع؛ تواتر نوبات اللوم الذاتي واضطرابات الأكل العاطفي ويتمثل بالإفراط في الطعام أو الامتناع عنه.

في المقابل، فإن الأطفال الذين ينشأون في بيئة عائلية متكاملة ولم يعانوا من الفقدان، يتمتعون بأداء اجتماعي ومادي أفضل، كما أنهم يعيشون نوعية حياة أفضل، وصحة أفضل، ويحققون المزيد من التحصيل الأكاديمي، فضلاً عن أنهم يصادفون مشاكل قليلة نسبيا في ما يتعلق بالصحة النفسية.

في هذا الإطار، ذهبت دراسة حديثة أجرتها مجموعة من الباحثين الأميركيين المتخصصين في علم النفس التنموي، وعنوانها “الفقدان المبكر للوالدين والعلاقات في مرحلة البلوغ”، إلى أن هذه الخسارة المبكرة، وتحديدا قبل سن الـ18، تترك أثرها في كيفية إدارة العلاقات العاطفية تحديدا، إضافة إلى تعقيدات التعايش وصعوبة بناء علاقة زواج ناجحة خاصة بين النساء، حيث تبتعد بعضهن عن تكوين علاقات زواج وأسرة.

في حين تؤكد دراسات أخرى أن فئة قليلة من النساء لا يرفضن الزواج، بل على العكس من ذلك، يفضلن الزواج المبكر لرغبتهن في تعويض هذا الفقدان وتأسيس أسرة جديدة.

كما لم توضح هذه الدراسات، في حال فقدان أحد الوالدين، أيهما تكون خسارته أكثر فداحة على الطفل، حيث أنه من المتعارف عليه أن الأم هي التي يشكل فقدانها خسارة كبيرة، كذلك لم يتبين إذا ما كان الفقدان الأكثر تأثيرا في حياة الفرد هو الذي يحدث في سن مبكرة جدا كأن يكون في سنوات الطفولة الأولى، أو في سن المراهقة، بسبب تباين نتائج الدراسات التي تناولت هذا الجانب من الموضوع.

البحث عن العزاء في سعينا المستمر لتحقيق كل ما كان يتمناه أبوانا؛ هو محاولة لإرضائهما حتى مع علمنا بغيابهما الأبدي

 

وتشير الدكتورة ديبورا كار، أستاذة علم الاجتماع في جامعة روتجرز، إلى أن فقدان الأم بالنسبة للشباب والبالغين في منتصف العمر يعد استثناء وليس قاعدة؛ فكل فرد لديه تجربة فقدان خاصة تعتمد على تجربة الموت ذاتها، بعض الأمهات يرحلن بصورة مفاجئة وبعضهن يرقدن فترة قد تطول أو تقصر في فراش المرض، لهذا فإن ذكريات المرض هي المصدر الأساس للحزن الذي يستمر طويلا بعد موتهن، حزن الأبناء الذي تثير شجونه الذكريات وتستفزه مناسبات الفرح العديدة، التي تغيب عنها ملامح الأم.

هناك الكثير من المشاهد والأحداث اليومية تعيد الحياة إلى الحزن البعيد الذي كان، وتمسح الغبار عنه فيرجع عودا طريا وكأنه غصن شجرة ميتة تنفس الحياة ثانية بعد أن غمرته قطرات من مياه، مجرد قطرات قليلة في صورة ذكريات قد تجدد الحزن أو تدفعه إلى سطح يومياتنا ثانية.

ترى الدكتورة ديبورا أن محاولة البحث عن العزاء في سعينا المستمر لتحقيق كل ما كان يتمناه أبوانا؛ النجاح في العمل والحياة، الشعور بالسعادة والتواصل مع الأشقاء والشقيقات وكل ما يمكنه أن يمت بصلة للأهل؛ هي محاولة إرضاء الأب والأم حتى مع علمنا بغيابهما الأبدي وهذا يمكن أن يشعرنا بالسعادة والرضا النفسي، وهو شعور داخلي يقتفي أثر مشاعر الحب والامتنان التي نكنها لهما، فإذا كانت أمنياتهما ورغباتهما هي في أن نعيش حياتنا بسعادة ونحصد النجاح ونحقق رغباتنا، فقد يربطنا هذا معهم بتجاذب روحي يمكن أن نتلمس وجوده في ابتسامات أطفالنا والمودة والرحمة التي تجمعنا بأشقائنا والسعادة التي تظلل حياتنا اليومية.

عندما تغيب الأم، فإن هناك دوما وجها حنونا في عالمنا ما زال يتفقد وجودنا ويشعر بغيابنا، قد تكون أخت كبرى، عمة، خالة أو حتى جارة كبيرة في السن.

من جانبه، يؤكد الدكتور رودولفو دينتون؛ وهو أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا بيركلي والمدير المساعد لمعهد العلاقات الاجتماعية والمعرفية، أن الشخص الناضج قلما يبرأ من تجربة فقدان شخص عزيز عليه، خاصة إذا كانت الأم وفي مرحلة مبكرة من العمر أيضا.

وأشار إلى أن الأمر يزداد سوءا عندما يكون موت أحد الأبوين أو كلاهما متوقعا، بسبب تداعيات مرض ما؛ حيث يصبح أمرا مخيفا أن يدرك الطفل بأن أقرب شخص إلى نفسه في العالم على وشك أن يتركه مع كل ما يربطهما من مشاعر ومشتركات ومع كل ما صادفهم من أوقات سعيدة في فترة وجيزة جدا من الحياة وكل ما تمتلكه هذه العلاقة هو الوقت الحاضر بكل لحظاته القصيرة، وحيث لا مزيد من التخطيط لما سيأتي، هذا الفقدان الذي يجعله غير قادر على أن يتصور أن مستقبلا ما يمكن أن يجمعهما، إنه أمر فظيع حقا.

يمّر العديد من الناس بمثل هذه التجربة، وقد تترك في نفوسهم ذكرى مؤلمة ترتبط بطفولة قاصرة مغمسة بالحرمان، هذا الإحساس الذي يبقى ملازما لصاحبه ربما حتى آخر لحظة في حياته، إلا أن هذه العلاقة قصيرة الأمد يمكنها أيضا أن تكون فرصة للاحتفاء بالحياة، كما يراها الدكتور رودولفو دينتون، إذ أن التجربة تعلمنا كيفية التمتع باللحظة العابرة مع أحباب نعلم مسبقا بأنهم سيغادرون وأن لا مستقبل سيجمعنا معهم.

هذه هي اللحظات ذاتها التي تجعلنا نترك كل شيء، نضع الهاتف النقّال والكمبيوتر اللوحي جانبا كي نستمتع بلحظات قصيرة مع أطفالنا، نشارك اللعب والضحكة والطعام اللذيذ، فربما لا تتاح لنا فرصة أخرى للاجتماع بهم، ربما سنرحل عنهم، من يدري؟ إنها حياتنا القصيرة، لحظات عابرة من زمن مسروق.

21