تداعيات جريمة شارلي إيبدو وزمن الإرهاب المنتصر

الخميس 2015/01/15

كانت الحجة التي ساقها منفذو الهجوم الذي أودى بحياة رسامي صحيفة شارلي إيبدو الساخرة هي الانتقام لكرامة النبي، التي تعرضت للإهانة إثر نشر الصحيفة رسومات تتناول النبي بطريقة مسيئة.

ليست الرسومات المسيئة للنبي هي أحدث وآخر ما نشرته الصحيفة، بل إن أحدث رسوماتها تهتم بالسخرية من خليفة تنظيم الدولة الإسلامية “أبو بكر البغدادي” وليس الإساءة للنبي. هذا المعطى يغري باعتبار اغتيال الرسامين إنما تم ليس انتقاماً للنبي، ولكن للخليفة “أبو بكر البغدادي”. الانتقام للنبي يتطلب، كي يكون فاعلا ونهائيا، الحصول على إجماع أو شبه إجماع إسلامي عام بشأنه، وهو أمر ليس متحققا، بل إن جزءا كبيرا من المسلمين يعتبر أن الانتقام للنبي بهذه الطريقة إنما هو إساءة للإسلام وللمسلمين وللنبي، تتفوق بكثير على إساءة الجريدة الساخرة.

كرامة النبي هي عنوان إجماع إسلامي، ولكن طريقة الانتقام لها أو الدفاع عنها هي مجال لتنوع الآراء واختلافها بل وتناقضها.

لا يريد منفذو الاغتيال الثأر لكرامة النبي، بل يريدون امتلاك الحق في الانتقام، والحق في تحديد ما يجب الانتقام له، والطريقة التي يجب أن ينفذ فيها.

النبي يمتلك نصا ولغة، وهو كان قد حدد مجال الانتقام له بطرق فيها من السعة ما يجعل خطاب الانتقام له بالقتل متهافتا، أو خاضعا لتأويل جزئي ضعيف غير قادر على منحه مشروعية عامة وشاملة، بل قد يكون من الأقرب والأكثر ترجيحا إدخاله في توصيف الفتنة والخروج على الإجماع.

الإسلام كذلك يمتلك خطابا، وهو يستطيع أن يدفع عن نفسه تهمة تبرير القتل عبر إتاحته المجال لسلسلة من التأويلات والنقاشات وحتى السياقات التاريخية التي لا تضع القتل في الواجهة كمنحى نهائي في ما يخص الدفاع عن نفسه ضد الإساءات.

يسعى التطرف في تبنيه للقتل كشكل وحيد للعلاقة مع انتقاد النبي أو الإسلام إلى إلغاء النبي وإلغاء الإسلام، لأنه يعلم أنه لا يستطيع أن يقوم بهذه المهمة والسيطرة على معناها بشكل محكم، لذا فإن ميله وسعيه إلى إنجاز إحكام ما في ما يخص إنتاج المعاني والقيم لا يكون قابلا للفهم، إلا إذا أحلناه على المجال الذي من الممكن للتطرف إحكام السيطرة عليه، وهو تحديدا المجال الذي يصنعه هو ويقوم بإنتاجه وتعميمه.

في هذا المجال يتم إلغاء النبي لصالح الخليفة، ويتم إلغاء الإسلام لصالح التفسير الأحادي له. هكذا يكون الانتقام الدموي الاستعراضي انتقاما للخليفة البغدادي، وللإساءة إلى إسلام الفكرة الواحدة الذي يحاول التطرف تعميمه في مواجهة باتت واضحة أكثر وأكثر مع إسلام لا زال، على الرغم من كل ما لحق به من جروحات نرجسية، قابلا للتعددية.

اللافت أن هذا اللاهوت المتطرف يتطابق، تماما وبشكل مدهش، مع لاهوت الإمامة الذي تروج له منظومة التشيع الفارسي، والذي يُعنى بضرب النبوة والإسلام، لصالح إمامة مرتبطة بنسب فارسي عميق الصلة بالتراث الامبراطوري السابق على الإسلام.

يلغي التطرف الإسلام والنبوة لصالح تنظيم شكل من الانتقام لهما يسمح له بتأسيس خلافته وإسلامه ودولته، وتلغي سياقات الحرب على الإرهاب القوانين والدساتير وحقوق الإنسان ومنظومات القيم، لصالح مشروع الانتصار على الارهاب. العلاقة بين التطرف الإسلامي والحرب على الإرهاب باتت جلية ومتداخلة، حيث أن كلا منهما ينتج الآخر بشكل لا يمكن معه وضعهما في صيغة تناقض، بل في صيغة تحالف وتكامل.

نتج عن هذا التحالف أن باتت السياسة التي تمثل المعقولية ملغاة في تناول الغرب لأزمات المنطقة. بات التمايز الثقافي والحقوقي الذي كان يضعها في مرتبة المرجعية في العالم مفقودا، فلم يعد بإمكانها مخاطبة التطرف من باب التفوق الأخلاقي أو القانوني، بل بات هذا الإرهاب يجد نفسه في مرتبة واحدة معها.

التقرير الذي نشرته منذ فترة منظمة “مبادرة عدالة المجتمع المفتوح” يؤكد أن أكثر من 54 دولة شاركت في نشاطات تعذيب لسجناء اعتقلوا بعد تفجيرات 11 أيلول 2001.

هذه الدول وهي أفغانستان، وألبانيا، والجزائر، وأستراليا، والنمسا، وأذربيجان، وبلجيكا، والبوسنة والهرسك، وكندا، وكرواتيا، وقبرص، وجمهورية التشيك، والدانمارك، وجيبوتي، ومصر، وأثيوبيا، وفنلندا، وغامبيا، وجورجيا، وألمانيا، واليونان، وهونغ كونغ، وأيسلندا، وأندونيسيا، وإيران، وايرلندا، وإيطاليا، والأردن، وكينيا، وليبيا، وليتوانيا، ومقدونيا، وملاوي، وماليزيا، وموريتانيا، والمغرب، وباكستان، وبولندا، والبرتغال، ورومانيا، والسعودية، والصومال، وجنوب أفريقيا، وإسبانيا، وسريلانكا، والسويد، وسوريا، وتايلند، وتركيا، والإمارات، وبريطانيا، وأوزبكستان، واليمن، وزيمبابوي.

إيطاليا هي البلد الوحيد الذي صدرت فيه أحكام قضائية على مسؤولين لتورطهم في هذه العمليات، وكندا هي البلد الوحيد الذي قدم اعتذارات رسمية لإحدى ضحايا هذا البرنامج، وقد دفعت كل من كندا وأستراليا وبريطانيا تعويضات للضحايا.

خريطة هذه الدول التي تمارس التعذيب غير الشرعي وغير القانوني مدمرة بذلك كل السياقات الفكرية والعقلاني للتنوير الذي أنتج الغرب المعاصر وأوروبا، تكاد تكون الخريطة الكاملة للعالم. العالم إذن يمارس عولمة التعذيب في محاربته للإرهاب، فكانت النتيجة أن بات الإرهاب الذي يحارب بهذه الطريقة معولما وعابرا للحدود.

هذا الإلغاء للسياسة وللقوانين وللأخلاق سمح بأن تكون المظاهرة غير المسبوقة التي أقيمت في فرنسا تضامنا مع ضحايا مجلة شارلي إيبدو مسرحا للتناقضات. مشهد نتنياهو وهو يتقدم المتظاهرين يقول إن الكلام على المجازر في حق الفلسطينيين بات مستحيلا.

كذلك يجب أن ننتبه إلى دلالة ورود اسم كل من النظام الإيراني والسوري في عداد الدول التي شاركت في استضافة نشاطات التعذيب، أي أن رعاة المجزرة السورية المتفاقمة كانوا قد اشتروا من الغرب سلفا سكوته على مجازرهم اللاحقة. يسجل كذلك أن خمسين اعتداء على المسلمين والعرب قد تم منذ وقوع جريمة شارلي ايبدو حتى الآن. لا شك أن ضحايا هذه الاعتداءات عاجزون، تماما، عن إسماع أصواتهم أمام الضجيج الهائل للتظاهرات غير المسبوقة التي ترفع لواء الحرب على الإرهاب.

هكذا يجدون أنفسهم، وسيجد الآلاف والآلاف سواهم، مدموغين بصفة الإرهابيين رغما عنهم. هم ضحايا إرهابيْن متحالفيْن هما؛ إرهاب التطرف الإسلامي الذي لا ينظر إليهم كمسلمين بل ككفرة ومرتدين، لمجرد أنهم ليسوا منخرطين في مشروعه الدموي، وإرهاب الغرب الذي لا يرى فيهم سوى مسلمين متعاطفين مع التطرف ومشاركين فيه.

إرهابان متحالفان يعلنان نهاية “المسلم العادي”، وهو ذلك الذي لا يمنعه إسلامه من أن يكون جزءا من العالم، وذلك لأن ذلك العالم الذي صنع الغرب قيمه بات يميل إلى أن يكون بدوره إرهابيا.

الإرهاب إذن لم يعد منفصلا عن الوجود، بل بات جزءاً منه وواحدا من علاماته، وعليه لا يكون السؤال الذي يجب طرحه حاليا متعلقا بمصير العرب والمسلمين في الغرب، بل بمصير العالم.

لا يمكن تصميم حرب حقيقية على الإرهاب إلا إذا كان هذا الإرهاب يتناقض مع العالم بشكل واضح، ولكن حين يكون منسجما معه فإنه سيخرج من المعركة منتصرا. نحيا إذن زمن الإرهاب الذي ينتصر بالحرب على كل خصومه.


كاتب لبناني

9