تداعيات جريمة شارلي: جدلية الدين وإشكالية الإسلام

الثلاثاء 2015/02/03
واقعة باريس تحيي الدعوة إلى ضرورة رفض الإساءة لكل الأديان والرموز الدينية

ما حصل في فاجعة أربعاء باريس 7 يناير 2015 يتعدى كونه جريمة قام بها متطرفون انتقاما من صحيفة نشرت صورا تسخر من نبيهم، ليمتد إلى إثارة قضيتين خطيرتين: الأولى إشعال النار في ميدان الفكر وإعلان المواجهة الصريحة بين الإيمان والإلحاد، والثانية الإعلان عن المسكوت عنه بأن الغرب يرى في الإسلام مشكلة.

ما حدث لشارلي إيبدو هو بدء إعلان المواجهة بين الإيمان والإلحاد، بعد أن كانت شبه خفية لأسباب تعود إلى الخوف أو الاضطهاد أو التصفية الجسدية. وما حصل مسألة ناتجة عن تطور الفكر البشري نصوغها بما يشبه النظرية: الضد يخلق ضده النوعي عبر مراحل زمنية تختلف في مددها، باختلاف مستويات التفكير وسعة انتشاره، وتكون بعلاقة عكسية مع تقدم الزمن.

كان التفكير الخرافي هو الأصل بوصفه أول مراحل التفكير البشري، واستغرق ملايين السنين ليخلق ضده النوعي المتمثل بالتفكير الديني الذي احتاج آلاف السنين، ليخلق ضده النوعي المتمثل بالتفكير العلمي، ومنه ظهر التفكير الإلحادي. من هنا فإن واقعة شارلي إيبدو طرحت تساؤلات كان مسكوتا عنها:

* إذا كان مصدر الأديان واحدا، تكون أخلاقها واحدة، فلماذا الصراع بين الأديان والدعوة إلى الحوار بين أتباعها؟ هل هذا المصدر لا يستقر على فكر ثابت؟

* وإذا كان الله واحدا فلماذا كوّنت الأديان صورا ذهنية مختلفة عنه، مع إنها من عنده بحسب اتفاقها؟

* تاريخ الحرية هو تاريخ نشوء الأديان، وأنه بفضل الأديان تحرر ملايين البشر من العبودية، ولكنها خلقت عبوديات أخرى، بما فيها عبودية السلطة التي يأمر رجال الدين بطاعتها حتى لو كانت ظالمة، وبسببها قتل الملايين لخلافات سخيفة، فلماذا لا يظهر دين جديد يقيم العدل والسلم ويصحح ما حرّفه القائمون على الأديان الموجودة؟

* لماذا ينسف الدين الجديد الذي قبله؟ وهل أتباع الدين القديم ملزمون أن يؤمنوا بالدين الجديد؟ أو أن يتخّذ منهم موقفا معاديا؟ أو ينكر عليهم بعض ما يؤمنون به؟

* ولماذا يركّز دين على صفات القوة والجبروت، فيما يؤكد دين آخر على صفات المحبة والرعاية والتسامح، ويوازن دين ثالث بين هذين النوعين من الصفات في الله؟

* هل اختلاف منظورات الأديان بخصوص طبيعة الله، نجم عنه اختلاف منظوراتها بخصوص الطبيعة البشرية؟ أم العكس، أي أنهم أسقطوا على الله تناقض الصفات في الطبيعة البشرية؟

وستردّ الضفة الأخرى بتساؤلات أخرى:

* كيف يمكن للطبيعة المادية أن تخلق كائنا بشريا بهذه القدرات العقلية الخارقة من خلية في غاية البساطة؟

* كيف يمكن لهذا الكون الممتلئ بهذه المتضادات أن يسير بهذا النظام ما لم تكن هنالك قوة خارقة تدير أموره؟

تداعيات جريمة شارلي أشعلت النار في نفوس المتعصبين في الضدين الذين بدأوا إعلان معارك دماء في مواجهة أزلية

* العلم يخترع وسائل الدمار ويضعها بيد الأشرار، فيما الدين يحترم قيمة الحياة ويقدّس الإنسان بوصفه خليفة الله في أرضه، فلماذا تدعون إلى طريق الهلاك فيما الدين طريق نجاة ومحبة ورحمة، وأنه أفضل لكم حتى لو كنتم لا تؤمنون به؟

* لماذا يكون إيمانكم مقيّدا بحدود ما تعدّونه منطقا، فيما هنالك أمور لا يستوعبها منطق ولا يدركها عقل، بما فيها عقلكم الذي ما كان يصدّق أن الإنسان يمكن أن يصل القمر؟

انطلاقا من مبدأ حرية التعبير فإن الضد ينبغي أن يحترم ضده النوعي، وأن يكون النقاش فكريا بسلاح الحجة تفند الحجة، غير أن تداعيات جريمة شارلي أشعلت النار في نفوس المتعصبين في الضدين الذين بدأوا إعلان معارك دماء في مواجهة أزلية.

القضية الثانية تتمثل في أن الغرب يرى أن في الإسلام مشكلة. حيث كشفت تداعيات واقعة شارلي أنه جرى توظيفها لإشاعة فكرة كان مسكوتا عنها في العالم الأوروبي هي أن الإسلام دين عنف. وفي هذا خطآن، الأول خطأ التعميم، إذ لا يصح تعميم ما قام به اثنان على 1.6 مليار مسلم، فضلا عن أن القائمين بالجريمة (الأخوان كواتشي) كانا بثقافة غربية أكثر منهما بثقافة إسلامية.

والخطأ الثاني، إصدار حكم على الإسلام بأنه وحده دين عنف وأن المتطرفين المتشددين يوجدون في الإسلام فقط، ويغضون الطرف عما قامت به محاكم التفتيش من جرائم بشعة بأمر الكنيسة، وما قامت به منظمة كوكلوكس كلان التي رفعت الصليب المحروق رمزا لها، وعمليات القتل البشعة التي جرت في أميركا وأستراليا على أيدي متطرفين مسيحيين.

الفكرة الثانية التي أعادت شارلي إحياءها في العقل الأوروبي هي أن الإسلام مهدد للديمقراطية، وأوحت بفكرة أن جذور العنف تكمن في هذا الدين تحديدا.

وعمدت أجهزة الإعلام الأميركية في حينها إلى تشكيل صورة عن المسلم كناقل للنفط أو كإرهابي حسب تعبير “ادوارد سعيد”، وأن الإسلام دين تطرّف وإرهاب على حدّ وصف “اسبوزيتو” مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي، وأن هذا الأسلوب يفضي إلى تحريض المسيحيين ضد الإسلام والمسلمين، والعكس صحيح حسب باحثين أميركيين (امكتبور وآرمسترونغ).

حرية التعبير تفرض على الضد أن يحترم ضده النوعي

حقيقة سيكولوجية لم يدركها العقل الأوروبي هي أن اللاوعي الجمعي يلعب الدور الأكبر في الجماهير المسلمة حين تعيش أزمة، وأن معظم محتوى هذا اللاوعي هو معتقدات دينية تعمل في أوقات الأزمة على تولي العقل الانفعالي إدارة السلوك الجمعي، فتندفع الجماهير نحو التظاهر لإثبات وجود الأنا، فيتطور الأمر إلى الاحتجاج واستفزاز الطرف الآخر، وينتهي بالمواجهة والانتقام، لأن العقل الانفعالي لهذه الجماهير يعطّل العقل المنطقي، فيكون الانتقام بلا حدود، وينجم عن ذلك أن العقل الأوروبي سيختزل الإسلام إلى خصم، وتفعيل سيكولوجيا الإسلاموفوبيا.

ومن بين أخطر المسكوت عنه الذي أعلنته شارلي، أن المسيحية تنظر إلى الرسول محمد على أنه قائد عسكري أو مصلح اجتماعي وليس نبيا. هذا يعني أن جبهة خطيرة فتحتها واقعة شارلي هي المعركة بين نبيين.

فالإسلام يعترف بأن عيسى نبي، فيما الدين المسيحي لا يعترف بمحمد نبيا، ما يعني أن المتشددين من المسلمين سيعمدون إلى انتزاع اعتراف المسيحيين بأن محمد هو خاتم الأنبياء، وهذا سيجر إلى صراع أوسع تكون بين العالم الأوروبي المسيحي والعالم الآسيوي المسلم، وقد بدأت بوادرها بموقف الحكومات الأوروبية من المسلمين فيها ومن العرب بشكل عام. فمع أن العالم الأوروبي دفع تضحيات غالية ليصل إلى ما وصل إليه، فإن شعوبه لم تتخلص من شحنة التمييز العنصري.

عام 1993 توقع هنتينغتون أن حروب المستقبل ستكون ثقافية، وبأن مرحلة ما بعد الحرب الباردة ستكون مرحلة صراع الحضارات. ما كان في حسابات الرجل أن تحدث واقعة شارلي لتحول الصراع إلى عالم متعدد الانقسامات في جبهات متضادة وأخرى متداخلة؛ العالم الأوروبي مقابل العالم الآسيوي، المسيحيون مقابل المسلمين، المؤمنون الموجودون في كل الأديان وكل الحضارات، مقابل الملحدين الموجودين في كل الأديان وكل الحضارات، في حرب أشعلتها شارلي قد يسجلها التاريخ باسم “حرب الأنبياء”.

13