تداعيات رماد انتفاضة 1988 وحكاية الرئيس ميتران ووزيره

الخميس 2014/10/09

في هذا الأسبوع بدأ عدد من النشطاء السياسيين والحقوقيين الجزائريين المعروفين في الساحة الوطنية بمراجعة ملف ما أنجز في الجزائر منذ انتفاضة 5 أكتوبر 1988، وما لم ينجز بعد 26 سنة كاملة، ويبدو واضحا أن الحصيلة حسب تقديرهم تقول بأن “لا شيء تحقق” كما نقلت عنهم إحدى الصحف الوطنية التي توزع نصف مليون نسخة يوميا تقريبا، وهي صحيفة الخبر.

يلاحظ أن جميع التصريحات التي أدلى بها هؤلاء تُجمعُ على أن “الدولة في خطر”، وأن “النظام أنقذ نفسه بأحداث أكتوبر”، وأنه “أفرغ ربيع الجزائريين من محتواه”، وفضلا عن ذلك فإن التعددية الحزبية التي أسفرت عنها تلك الانتفاضة ليست في تقديرهم سوى “ديمقراطية واجهة”، ولم تنتج غير “حريات شكلية”. من جهة أخرى كتب المعلق السياسي الجزائري حميد يس في المنبر نفسه مبرزا أن “النظام يلتف على مطالب الديمقراطية منذ 26 سنة”، وأن “دستور 2008 يطلق رصاصة الرحمة على الإصلاح السياسي”.

إن حالة اليأس من المستقبل الغامض، مستشرية بين أوساط المثقفين وعمال التربية والتعليم ومختلف الفئات الشبابية وحتى في صفوف المسنين. أعتقد أن أحد نجوم الإعلام الرياضي الشهيرة، وذات المصداقية في الساحة الجزائرية والعربية، ونائب المدير العام للتلفزيون الجزائري سابقا، حفيظ دراجي، التقط الخيط جيدا وبذكاء عندما كتب في زاويته الأسبوعية بجريدة الشروق اليومي واسعة الانتشار قائلا: “لن أكتب في الرياضة إدراكا مني بأن الجزائر الوطن، والجزائر الدولة، والجزائر الأمة لاتزال مهددة أكثر من أي وقت مضى، إذا استمر الوضع على ما هو عليه في ظل غياب الرئيس الذي لا يراه أحد ولا يسمعه شعبه ولا يعرف مكانه، مما أعاد بعث الإشاعات والتساؤلات بشأن وضعه الصحي وقدرته على القيام بواجباته”.

وبهذا الخصوص نجده ينتقد سيناريو تحايل بعض الوزراء الذين يطبّلون، بأن الرئيس بوتفليقة “يعمل ليلا نهارا، وأنه تواصل معه يوم الجمعة وكأن ذلك أمر خارق للعادة”. ويشخص هذا الإعلامي الوضع المريض للجزائر بالاعتماد على الحقائق الدامغة مثل “تلك الأرقام التي كشف عنها مركز مختص في شؤون الهجرة التابع لهيئة الأمم المتحدة ومفادها أن أكثر من 800 ألف جزائري هجروا وطنهم نحو أوروبا وكندا، وعشرات الآلاف توجهوا إلى الخليج في عهد بوتفليقة، مقابل 100 ألف فقط هجروا الوطن في سنوات الدم والدمار خلال التسعينات”. وتعني هذه الأرقام الهائلة أن المجتمع الجزائري في عهد بوتفليقة أصبح مجتمع مهاجرين طلبا للرزق في أصقاع المعمورة.

هنا أتذكر نكتة لها صلة بالجزائريين ومشكلة الهجرة المتزايدة في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، رويت على لسان الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران الذي طلب منه وزير دفاعه احتلال الجزائر مجددا، ولكنه رفض مطلب وزيره، وعندما سأل الوزير رئيسه عن السبب، أجابه بأن احتلال الجزائر لا يستدعي استخدام الجيش والسلاح النووي وحتى العصى المصنوعة من القصب. دهش الوزير من توضيح رئيسه، وطلب منه تفسيرا مقنعا ليطمئن قلبه بأن مهمة الاحتلال سهلة للعودة إلى فردوس الأقدام السوداء الذين يبكون سوء طالعهم في القرى والمدن الفرنسية.

نظر ميتران في وجه وزيره وقال: “سنتفق مع بلدان الاتحاد الأوروبي على فتح باب الهجرة للجزائريين بصفة شاملة وتوزيعهم عليها، وتأكد أن العملية لن تستغرق أكثر من شهر، حتى ترى بعينيك جغرافيا شمال وشرق وغرب ووسط الجزائر خالية من سكانها قاطبة، ولن يبقى غير بضعة آلاف من الطوارق الملثمين في عمق الصحراء، وفي هذا المناخ يصير الرئيس الشاذلي وحيدا في الشوارع الخالية وحينما “تأكله” الوحشة، ويذعره رهاب انعدام شعب يحكمه سيضطر للالتحاق إما بهؤلاء الملثمين الطوارق طلبا للمؤانسة في ظل قسوة العواصف الرملية التي لن يطيقها، أو بمنظمة الأمم المتحدة ليعمل لديها كمنسق مؤقت لأحوال المهاجرين الجزائريين في القارة الأوروبية”.

إن فشل انتفاضة 5 أكتوبر في إفراز نظام جديد ديمقراطي في الجزائر يعود إلى عدة عوامل بعضها تاريخي له ارتباط قوي بالثقافة الوطنية المؤسسة على أساس:

أولا؛ بنية نظام “العروشية” الاجتماعي في التاريخ القديم، وثانيا؛ السيطرة على خلية العائلة بعد كسر جزء مهم من النظام المشاعي في عهد الوجود العثماني، وثالثا؛ الشعور المتولد من تراث تشظي البلاد قبل الاحتلال الفرنسي إلى اقطاعيات كان يسيرها أعيان هذه القبيلة أو تلك العائلة المهيمنة، في ظل تململ أوتاد الدولة المركزية التي كانت تفتقد إلى وازع التوافق الجماعي في إطار تجاوز حكم زعماء العروش عبر القطر كله.

إلى جانب ذلك فإن الاحتلال الفرنسي تمكن من تحطيم ما تبقى من مظاهر المجتمع المشاعي وأخلاقياته، بما في ذلك العناصر الثقافية التي كانت تشكل المعالم الأولية لبناء مناخ العيش معا في ظل الجماعية الوطنية.

تعمقت هذه الشروخ في الفترة الأولى من استقلال الجزائر، جراء تحكم حملة البنادق في دواليب الحكم، بدلا من حملة الفكر والعلم والثقافة. في ظل هذا الميراث لم تنجح المرحلة الوسطى الثانية، والمرحلة الثالثة الحالية من الاستقلال في إحداث قطيعة مع بنية الثقافة الموروثة والتي تشكل حتى الآن الذهنية والسلوك، الأمر الذي حال، ولا يزال، دون بناء المجتمع الذي من المفترض أن تنبثق عنه ذهنيات تؤسس لأجهزة الدولة الديمقراطية.

لاشك أن نحر الانتخابات التشريعية عام 1991، وانفجار الصراع المسلح بسبب ذلك قد كانا حدثين مؤلمين حقا، ولكن لا ينبغي تفسير السبب بالنتيجة، أو العلة بالعرض الخارجي لأن ما حدث في ذلك الوقت وتداعياته في الحاضر نتاج لعدم تغير الذهنية الإقطاعية والعشائرية، سواء داخل النظام نفسه، أو في أوساط المجتمع الجزائري.

من البديهي القول أن الكثير من الأحزاب والشخصيات التي دعت إلى فسخ العملية الانتخابية عام 1991 هي نفسها التي تدعو الآن إلى المعارضة “الديمقراطية”، وجراء فقدانها للمصداقية فقد أصبح المواطنون والمواطنات في القواعد الشعبية بلا نماذج تحتذى، وهكذا وجد الرجل الواحد المتشبث بالحكم بالقوة وشتى الحيل، نفسه بمثابة التعبير النموذجي للثقافة الديكتاتورية القائمة في البلاد.


كاتب جزائري

9