تداعيات عاصفة الحزم على العراق والتحرك الأميركي الأخير

الجمعة 2015/05/15

لطالما حيرتني نبوءة باقر جبر صولاغ القيادي في “المجلس الأعلى الإسلامي” في العراق ووزير سابق للداخلية ثم المالية والذي اشتهر “بباقر دريل” لأنه اتهم من قبل أهالي الضحايا بأنه كان يعذّب ويقتل ضحاياه بالمثقبْ الكهربائي وفضحته قناة البي بي سي البريطانية في برنامج وثائقي خطير بَثته في حينه، حيرتني نبوءته، عندما صرح في أحد لقاءاته التلفزيونية “إننا سوف نقاتل على أسوار بغداد”.

كان ذلك في بدايات ظهور “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وتمددها في كل من سوريا وأطراف الموصل.

وبالفعل فإن القتال حدث في شهر تموز من العام الماضي على أطراف بغداد، بعد أن سقطت الموصل ثم تلتها الأنبار وصلاح الدين، واعتقد الكثيرون بأن سقوط بغداد أصبح قاب قوسين أو أدنى، ولكن وبقدرة قادر غيّرَ مقاتلو تنظيم الدولة بوصلتهم إلى أربيل والمدن الكردية وكركوك في مشهد دراماتيكي حيِّر الجميع ولا يزال إلى حد الآن.

ولم يقدم للمحاكمة أي مسؤول مدني أو عسكري تسبب بهذه الكارثة المشبوهة، لكن الوقائع تقول بأن هذا التنظيم هو تنظيم مخترق وبصورة خطيرة من مخابرات عدةٍ ولـدول باتت معـروفة، وأصبحنا نسمع مقولة “أنه صناعة أميركية–إسـرائيلية–إيرانية”، ثـم جـاءت النبوءة الثانية من رئيس “المجلس الأعلى الإسلامي” عمار الحكيم، عندما قال قبل أسبوعين “إن الوطن يعاد تشكيله من جديد، والمنطقة يعاد تشكيلها من جديد، والعراق في قلب العاصفة وفي قلب منطقتنا الملتهبة، وإن حدود الشرق الأوسط الجديد سيحددها ما سيكون عليه العراق”.

هنا قلت لنفسي بأن نبوءة الحكيم قد حلّتْ لغـز نبوءة صولاغ. لقد سرّبتْ المخابرات الإيرانية بنود المشروع الصفوي الصهيوني الأميركي لتقسيم العراق وسوريا، كمرحلة أولى، بحجة داعش والإرهاب إلى قيادة المجلس الأعلى الإسلامي المقرب جدا منها، على أن يقوم صولاغ بتفجير قنبلة نبوءته لكي يرسل ثلاث رسائل من خلالها:

الأولى؛ لكي يطمئن الحليف الصفوي بأن المجلس الأعلى الإسلامي وبقية القوى المنضوية تحت ما يسمى “التحالف الوطني الشيعي” راضيان ومطيعان لإرادة كسرى الجديد.

الثانية؛ لكي يظهروا للشعب العراقي بأن “التحالف الوطني الشيعي” يعرف ما يُخطط للعراق وشعبه، وأنهم غير غافلين ويعرفون جيداً المخاطر والتداعيات.

الثالثة؛ وهي الأهم، تهيئة الأجواء وترسيخ سياسة الطائفية الإقصائية والتقسيمية وأن “داعش الإرهابي” وما يقابله من ميليشيات شيعية إرهابية ومتطرفة ستكون السبب في تقسيم العراق وسوريا وكأنه أمر واقع لا فرار منه، لكي يتعوّد الشعب على الويلات والفساد والسرقات ويرى الموت بعينه ثم يرضى أخيرا بالمرض وهو التقسيم.

أما نبوءة الحكيم وما قاله أعلاه فهي حتما مترجمة من نصها الفارسي، أعطيت للحكيم على عجالة لكي تبعث من خلالها طهران رسالة إلى الأميركان والعرب، على حد سواء، مفادها أّن إيران لاعب أساسي في تحديد خارطة الإقليم، ولها اليد الطولى ولا يمكن التعدي على مصالحها الحيوية خاصة في العراق، وبالتالي لا يجوز، بل ولا يمكن، تجاهلها أو تجاوزها.

غير أن هناك مؤشرا خطيرا حول التوقيت الذي اختير لتصريح الحكيم، وهو أن طهران متخوفة من أن الأمور انفلتت من يدها في اليمن وستنفلت لاحقاً في سوريا، بعد أن حققت قـوات المعـارضة السورية تقدما لافتاً في الأيام القليلة الماضية، وعلى جبهات كانت بالأمس القريب مستحيلة ومحسومة على رأي الكثير من المحللين العسكريين.

ما سرع في هذه الخطوة المفضوحة هي نتائج الانتفاضة العربية “عاصفة الحزم” التي قلبت الطاولة على طهران ومن يتواطأ معها، حيث أصبح العالم يرى، ولأول مرة، قوة عسكرية عربية حازمة، متفوقة عسكريا واقتصاديا على إيران وعملائها في المنطقة.

ثم جاء التحرك الأخير للجنة القوات المسلحة في الكـونغرس الأميركي الـذي صوت على قرار يسمح للحكومة الأميركية بتقديم المساعدات المالية والعسكرية إلى حكومة إقليم كردستان والعشائر والقوى المحلية في المحافظات السنية، على حد تعبير القرار، دون الرجوع إلى حكومة المركز في بغداد. وهذا لن يتم بموجب الدستور الأميركي (لأنها تعتبر مجاميع مسلحة) إلا إذا اعتبرت مجاميع مسلحة تابعة إلى كيان دولة (أي دولة كردية وأخرى سنيِّة) وهذا لعمري لبنة أخرى ستوضع في جدار التقسيم.

المزعج في الأمر ليست مشاريع التقسيم والمدد الزمنية المرسومة لها، ولا الأدوار المناطة بكل طرف فحسب، فهذا الأمر أصبح بديهياً لأن أهداف احتلال العراق كانت معروفة منذ البداية وواضحة من خلال أسماء وعناوين مجاميع وأحزاب “المعارضة” وسيرتها المشبوهة التي كانت تحركها المخابرات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية والإيرانية، كذلك ما آلت إليه الأمور من تدمير شامل للأرض والشعب منذ عام 2003 ولغاية الآن.

المزعج في الأمر هو استهتار الكثير من السياسيين في العراق الجديد واستغفالهم لعقول العراقيين بتصورهم أن الشعب لا يعرف المؤامرة. بل لا يزال هؤلاء الفاسدون والخونة ماضين في استغفال العراقيين من خلال تصريحاتهم وعنترياتهم في مقاومة الأميركان، غير أن الشعب العراقي يعرف أنهم إما عملاء للأميركان، أو عملاء لإيران، أو لكليهما معا.

لا خلاص للعراق إلا بوحدة أبنائه والتمسك بوحدة ترابه، وطرد النفوذ الصفوي مهما غلت التضحيات. وهذا لن يتم إلا بتفعيل الفزعة العربية الشاملة من أجل الضغط على مفاصل النفوذ الصفوي التخريبي في كل من اليمن وسوريا ولبنان وغزة والعراق، هكذا ودفعة واحدة من أجل تشتيت تركيزه وفضح خطابه الطائفي التكفيري. وكذلك بدعم الانتفاضة الأحوازية من خلال العمل على توحيد كافة فصائلها من أجل وحدة الكلمة والنضال، وعقد مؤتمر دولي حول الأحواز وتغطيته إعلامياً لكي يعرف العالم بأنه إقليم عربي محتل، والضغط من خلاله على طهران لكي تعي وتعرف بأن العرب هم الآن قوة تستطيع أن تفرض سيادتها على بحارها ومياهها وخليجها العربي.

سؤال بريء: هل تستطيع روسيا عمل شيء ما لمنع تقسيم العراق؟ وهل فات الأوان؟ أم أن القوى الوطنية العراقية قادرة على دحر الطائفيين والانفصاليين من أجل التمسك بوحدة العراق أرضا وشعبا؟

أكاديمي وناشط سياسي عراقي

8