تداو بالرمال وعلاج بحليب النوق في صحراء المغرب

السبت 2014/10/18
يتعرف السياح في الصحراء على ثقافة الرحل بركوب الجمال

مرزوكة (المغرب)- عند مصب وادي زيز، حيث تترامى إحدى أكبر الواحات في الشرق المغربي، يتوافد آلاف السياح كل صيف على قرية “مرزوكة”، طمعا في التداوي بالرمال، ورغبة في التعرف على نمط عيش ما تبقى من قبائل رحل في المنطقة.

تمدّن الرحل المنتمون إلى قبائل “آيت عطا” الأمازيغية في الشرق المغربي منذ عقود وعمروا منطقتي تافيلالت ودرعة المعروفتين كأكبر واحات المغرب، وكذلك الطريق التجاري الشهير إلى تمبكتو في مالي، والذي كان يقطعه التجار في 52 يوما.

وظلت قبائل العطاويين متمسكة بثقافة الترحال، حتى مجيء الاستعمار الفرنسي، حين ظهرت الأنشطة المنجمية ونشأت معها مراكز حضرية جديدة، شكلت عوامل جذب واستقرار، عززها ترسيم الحدود بين المغرب والجزائر.

وغير بعيد عن حدود الجزائر (50 كلم) اختار جزء من هؤلاء الرحل الاستقرار في قرية مرزوكة الصغيرة، المعروفة بكثبانها المترامية على عشرات الكيلومترات، فتغير نمط عيشهم من الترحال والتجارة، إلى الفلاحة والسياحة، مع حفاظهم على أغلب تقاليدهم المميزة.

ويقول عبدالسلام صادوق، رئيس “جمعية منعشي السياحة الصحراوية” في قرية مرزوكة، وهو يرتدي اللباس التقليدي لأهل المنطقة “نعتمد اليوم على السياحة الصحية خلال الصيف حيث يأتي السياح من مختلف أنحاء العالم من أجل التداوي بالرمال وشرب حليب النوق”.

يأتي السياح من مختلف أنحاء العالم لشرب حليب النوق

إضافة إلى ذلك، “نوفر للزوار سياحة اسكتشافية، من أجل التعرف على ثقافة الرحل عن طريق رحلات على الجمال والمبيت في الخيام ومشاهدة غروب الشمس وشروقها، إضافة إلى السياحة المغامراتية من خلال المشاركة في سباقات يتم تنظيمها في الصحراء”.

وعلى امتداد التلال وكثبان الرمال المتشكلة والمتحولة باستمرار، يتوافد المئات من السياح المغاربة والأجانب من مختلف الأعمار، ابتداء من نهاية يونيو وحتى أوائل سبتمبر، حين تكون درجات الحرارة مواتية للاستفادة من الرمال.

وغالبا ما يشرف أبناء المنطقة من قبائل الرحل القديمة على عملية دفن الراغبين في التداوي بحرارة الرمال، حيث يعدون المئات من الحفر عند مشرق كل يوم، وتترك ساعات تحت حرارة الشمس كي تسخن جيدا قبل أن توارى أجساد الراغبين في العلاج داخلها.

وقبل ردم الباحثين عن العلاج، يحرص المرافق من أبناء المنطقة على إمساك المريض أو السائح عن الطعام وعن المياه والمشروبات الباردة أو المثلجة، مع استعمال بطانية بعد الخروج من الرمال في اتجاه خيمة قريبة، تجنبا لأي تيار هوائي.

وغالبا ما تدوم عملية الدفن من خمس إلى عشر دقائق، مع الشرب المنتظم للمياه الدافئة، قبل التوجه إلى الخيمة من أجل الراحة والتعرق وشرب شاي الأعشاب، ويلي ذلك الاستحمام، تكرار العملية ثلاثة أيام على الأقل حتى”يكتمل” العلاج.

ويقول علي قلاموش المنحدر من مدينة بني ملال الجبلية (وسط)، التي تتساقط فيها الثلوج شتاء “كنت أعاني من الانزلاق الغضروفي وآلامه، لكن الآن وبفضل رمال مرزوكة شفيت، وأنا آتي كل سنة للتداوي بحمام الرمال، وأنصح الناس بالمجيء”.

حمام الرمال يعالج الأمراض المزمنة بعيدا عن صخب الحياة المعاصرة

ويقول محمد ياسين، وهو متقاعد مغربي مقيم في فرنسا “نصحني الناس بالمجيء إلى مرزوكة نظرا لمناخها النقي وحرارتها المفيدة للصحة، خاصة مع الآلام التي نعاني منها”.

ويساهم حمام الرمل في علاج بعض الأمراض المزمنة مثل الروماتيزم وآلام العظام وبعض الأمراض الجلدية، ويروي أهل المنطقة حكايا عن سياح جاؤوا مقعدين على كراس متحركة، وعادوا مشيا على الأقدام.

ويقول علي الذي يربي الجمال قرب الإقامات الفندقية المبنية على الطريقة التقليدية للمنطقة “الناس يأتون إلى مرزوكة من كل أنحاء المغرب والعالم، من أجل حمام الرمل وشرب الشاي التقليدي وكذلك حليب النوق الجيد لمكافحة داء السكري وأمراض أخرى”.

وتتيح كثبان مرزوكة الممتدة على طول 22 كيلومترا وعرض خمسة كيلومترات، التأمل في تبدل ألوان الرمال بحسب تغير ضوء النهار، خاصة عند التربع على قمة تلك الكثبان التي تعد الأعلى في المغرب، والتي يصل طول بعضها إلى 150 مترا.

ويجد أغلب قاصدي مرزوكة ضالتهم في البساطة بعيدا عن صخب الحياة المعاصرة، وفي الموسيقى التقليدية وكرم الضيافة وغير ذلك مما توارثه السكان عن أسلافهم منذ قرون مضت. وتعتبر السياحة في المغرب ثاني أكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي بعد الزراعة، بنسبة قدرت بين 8 و10 بالمئة.

20