تدجين الصحافيين.. الهدف التالي للسياسيين في تونس

من يضمن صمود صحافي يعاني وضعا هشا أمام منافسة مواقع التواصل الاجتماعي.
الاثنين 2019/12/16
كلب حراسة مدجن

لقد استوطن التلفزيونَ نمطٌ هجينٌ جديد بين الإخبار والترفيه يُعرف بالترفيه الإخباري أو الإخبار الترفيهي (أنفوتينمنت)، يجمع ما لا يُجمع، أضر بالقطاع ضررا بالغا وفتح المجال فسيحا لمن تجنّوا على الصحافة ولمن كلّفوهم. وإذا تركنا نظرية المؤامرة جانبا فإن هناك اتفاقا واسعا على أن الذين يكرهون الإعلام هم أعداء الديمقراطية، وباب الخروج منها هو استعباد الصحافة أولا.

تونس - ما إن ظهر جينيريك نهاية الحوار مع وزير الثقافة في التلفزيون التونسي، مساء الخميس 12 ديسمبر، حتى راحت مستشارته على البلاتوه تقرّع الصحافية المحاورة بالقول “يبدو أنك لم تُعِدّي درسك كما ينبغي… أتلك أسئلة توجهينها إلى الوزير… أذلك هو مستوى أسئلتك؟”. لم يرق للمستشارة أن تسأل الصحافيةُ الوزيرَ عما قيل عنه إنه “وزير محاباة ومجاملات”.

لم يعد يخفى على التونسيين أن السياسيين يسلطون ضغطا على الصحافيين ليقولوا ما يحلو لهم ويتركون ما يقض مضاجعهم. وقد تحدث نقيب الصحافيين التونسيين، ناجي البغوري يوم 10 ديسمبر في ندوة عن الإعلام العمومي، عن “تخوف المنظمات الدولية من تراجع حرية الصحافة في تونس”. في اليوم نفسه، شاهد التونسيون أحد نواب ائتلاف الكرامة في البرلمان يتهم المخرجة المكلفة بنقل المداولات “بغياب الحياد وبتوظيف انتمائها السياسي” في عملها.

من الطبيعي أن ينتقد نائب أداء الإعلام عامة أو أداء مؤسسة بعينها. أما أن يكون النقد موجها في جلسة برلمانية عامة إلى شخص بعينه، سواء أكان صحافيا أم مخرجا، فذاك مدخل لمحاولة تدجين الصحافيين. وليست تلك سابقة، إنما المقلق في الأمر أن تتكرر مثل تلك الأعمال. لقد حدث في المدة النيابية المنقضية أن دخلت نائبة رئيس البرلمان إلى الغرفة الفنية للتلفزيون التونسي لتملي على المخرج عمله.

تقول رئيسة تحرير منظمة مراسلون بلا حدود عن تراجع حرية الصحافة في البلدان الديمقراطية “إن تلك الحرية لا تضمحل فجأة بل تتدرّج إلى الاضمحلال بسبب سوء معاملة الصحافة والصحافيين”. ويفسر الباحث الفرنسي في الإعلام والاتصال، دونيس رويلاّن، تلك الظاهرة بالقول “إن أخبث الطرق لتهديد حرية الصحافة هي الهجمات المتكررة التي يشنها عليها السياسيون”.

ولا يخص الخوف على حرية الصحافة من هجمات السياسيين تونس الديمقراطية الناشئة وحدها، بل هو أمر تتقاسمه اليوم أعرق الديمقراطيات، وما علاقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالصحافة إلاّ دليل على ذلك. وتفسّر تلك الهجمةَ المتنامية، في هذا العقد الذي يكاد ينقضي، أسبابٌ منها نظرة المتلقين إلى الصحافة والصحافيين وتطور أساليب الاتصال لدى السياسيين والخلط في الأذهان بين أدوار الإعلام الإخبارية وغير الإخبارية ومنها كذلك ما يتصل بعالم الصحافيين في علاقاتهم بالسياسيين وببعضهم البعض.

لا يخص الخوف على حرية الصحافة من هجمات السياسيين تونس وحدها، بل هو أمر تتقاسمه اليوم أعرق الديمقراطيات

يعلم السياسيون جيدا، في تونس وفي غيرها، مدى كره الناس للصحافة وللصحافيين ومدى تقلص ثقتهم في الإعلام، فيتخذون ذلك سبيلا للتهجم عليهم أو للضغط وهم على يقين أن العدد الأكبر سيكون معهم. مساء الجمعة 18 أكتوبر، تحمّس نائب من المنتخبين حديثا في التلفزيون التونسي متحدثا عن إعلام الكراهية فشبه قناة “الحوار التونسي” بإذاعة “الألف هضبة” التي أنشئت عام 1993 في رواندا بهدف التحريض على إبادة “التوتسي” ثم سمى في خطابه الصحافي محمد بوغلاب دون غيره متهما إياه بالتحريض على الإسلاميين.

وكذلك يفعل الرئيس الأميركي عندما يكرر وصف الإعلام في بلده بأنه “عدو الشعب” ثم يركز على قناة بعينها، وهي “سي.أن.أن”، لينتقي منها صحافيا واحدا “جيم كوستا” ويطرده من البيت الأبيض. والتمشي نفسه اعتمدته السترات الصفراء في فرنسا في ردها على الإعلام عامة وعلى قناة “بي.أف.أم.تي.في” خاصة فيها الصحافية “روت الكريياف”.

ويبدو أن ما ذكرته رئيسة تحرير مراسلون بلا حدود والباحث الفرنسي عن الهجمات المتكررة على الصحافة لخنق حريتها يقتضي استراتيجية لا تقوم على التهجم على الإعلام عامة، ولا على مؤسسات بعينها، بقدر ما تقوم على استهداف صحافيين بعينهم. فالحديث المتكرر باتهام الإعلام عامة يبلغ مدى يصبح فيه ممجوجا ثم مرفوضا في حين أن التهجم على فرد أمر يحمل معه الجديد دائما بالحديث عن الموضوع نفسه وهو الإعلام العدو.

ومن الأسباب التي زادت في تهجم السياسيين على الصحافيين، الوضع الجديد الذي يجعلهم أحيانا كثيرة في غنى عن الإعلام التقليدي. لقد أصبح عدد منهم يخاطبون المواطنين عبر الشبكات الاجتماعية مما يعطي خطابهم صدى أوسع أحيانا. فبعضهم، مثل نورالدين البحيري رئيس كتلة حركة النهضة في البرلمان، ينشر على فيسبوك بصفة تكاد تكون يومية وكذلك يفعل آخرون، فتنقل وسائل الإعلام تدويناتهم مما يظهر أن الإعلام يحتاج إلى السياسيين أكثر من حاجتهم إليه.

في بداية أكتوبر، غادر المرشح للانتخابات الرئاسية آنذاك سيف الدين مخلوف استوديو إذاعة الديوان محتجّا لمّا تمسك الصحافي بسؤال أزعجه. كان الصحافي محقا حين قال له “أنا الذي أدير الحوار”. انتشر الفيديو على فيسبوك وشاهده أضعاف من كانوا سينصتون إلى مخلوف لو استمر الحوار معه مباشرة في الإذاعة. إن في مثل ذلك ما يشبه قول السياسي للصحافي “ارحل فأنا غني عنك”. صمد صحافي الديوان لكن من يضمن صمود غيره أمام منافسة الشبكات اليوم؟ ألا يعرّض ذلك الوضعُ الصحافيين إلى مزيد من الضغط؟

حرية الصحافة مرتبطة بوضعية الصحافي
حرية الصحافة مرتبطة بوضعية الصحافي

وللصمود مقتضيات وأثمان. إن وضع الصحافيين اليوم في تونس وفي غيرها يجعلهم معرضين أكثر لضغط السياسيين بالنظر إلى هشاشة المؤسسات الإعلامية ماليا الأمر الذي يفضي إلى أوضاع مالية مزرية يعيشها الصحافيون. ففي ندوة عنوانها “هل ما زالت الصحافة حرة؟” ردت الصحافية الفرنسية الحائزة على جائزة “رونودو” أوود لنسلو، “لا يمكنها أن تكون حرة طالما هناك صحافيون حاملون للبطاقة المهنية يتقاضون نصف الأجر الأدنى المهني المضمون”.

إن وضع الصحافيين التونسيين أسوأ. يعمل معظمهم بعقود هشة وهم معرضون للطرد في كل حين… وضع الذين يعملون في القطاع الخاص يدعو إلى النقمة. كيف نطلب من صحافي تونسي أن يصمد أمام ضغوط السياسيين إذا كان يتقاضى ما يعف اللسان عن ذكره إن تقاضاه؟ واصلت الصحافية الفرنسية كلامها في الندوة متحدثة عن حال الصحافيين الفرنسيين بالقول “يمكنك أن تبدأ حركة اجتماعية أو أن تضرب، لكن لنتحصل على شيء. خلف الباب، هناك كتائب من الصحافيين ينتظرون المكان”.

إن ذلك الوضع المزري يزيد الأوضاع تفاقما عندما يضع الصحافيين وجها لوجه في حالة يسقط فيها أحد مقومات الأخلاقيات الصحافية وهو مبدأ التضامن، مما يجعلهم أكثر عرضة لضغط السياسيين. وإن أقررنا بقيام مبدأ التضامن المهني بين الصحافيين التونسيين فإن الجميع يعلم أن الصراعات السياسية تشق صفوفهم أحيانا. وإن لم تكن صفوفَهم فصفوف من يحيطون بهم من غير الصحافيين. فقد ذكر النائب الذي انتقد المخرجة في البرلمان “أن هناك من يأتيهم بالأخبار” عمّا يدور في الوسط الصحافي.

وهناك ما يشق صفوفهم مهنيا. فمن المعلوم أن هناك شرخا، يظهر ويختفي حسب الظروف، بين عالم المعلقين (الكرونيكور) وعالم صحافيي الميدان. ويعلم كثير أن علاقات شخصية تربط السياسيين بكثير من المعلقين. إن تلك العلاقات تفضي إلى أمرين. الأول أن العلاقات تقتضي من المعلقين مداراة السياسيين في الصحو والإعراض عنهم في الغيم مما يقود السياسيين إلى الضغط. والآخر أن السياسيين سيمارسون ضغوطا على صحافيي الميدان الذين يرونهم أدنى درجة مستسهلين التأثير فيهم.

إن الوزر الذي يتحمله صحافيو الميدان بأفعال المعلقين أو “الصحافيين النجوم” هو نفسه الذي يتحمله القطاع الإعلامي كاملا، بمعلقيه وبصحافييه، جرّاء ما يقترفه “منشطون” لا هم صحافيو ميدان ولا هم معلقون. فعندما يتحول بلاتوه باسم الجدل، يديره “من هو لا صحافي” أو “من هو لا معلق”، إلى حلبة تلاسنٍ ثم تشاتم ثم تماسك بالأطواق، ويراه الناس إعلاما، تسقط المعايير ويستوي الصحافي وغير الصحافي.

متى يستعيد الصحافيون منزلتهم
متى يستعيد الصحافيون منزلتهم

ويترتب على ذلك في أذهان الناس أنّ كل من يتحدث في الميكروفون أو يقف أمام الكاميرا إعلامي، وهي صفة ما أنزل الله بها من سلطان، وأن الصحافيين من “الإعلاميين”، يستبطن السياسيون عندئذ أن الكل سواسية. والواقع اليوم أن الناس ينظرون إلى المصَنفين إعلاميين نظرة ازدراء لا نعتقد أن السياسيين يحملون غيرها. فما الحصن الرّاد لضغط السياسيين على “الصحافيين-الإعلاميين-المنشطين-المعلقين” إذن؟

ما كان للناس أن يخلطوا بين العمل الصحافي القائم على الإخبار والتحليل والرأي في نشرات أو حوارات أو مجلات وبين “حلبة التلاسن والتشاتم والتماسك بالأطواق” لو لم يكن في “الحلبة” ضيوف يحضرون البرامج الإخبارية الحقيقية. وطبيعي أن يصنف الناس برامج يحضرها الأشخاص أنفسهم في خانة واحدة، فإما يصنفون “الحلبة” أخبارا أو الأخبار “حلبة”.

لن يقول عاقل إن وسائل الإعلام جُعلت للإخبار فقط، فهناك اتفاق على أن وظائفها متنوعة يصنفها أهل الاختصاص ثلاثا هي الإخبار والتثقيف والترفيه علاوة على كونها آلية لإنشاء الرابط الاجتماعي ولتقديم الخدمات للناس ولنشر الأفكار والآراء بينهم، غير أن هناك حاجة إلى الإسراع بتحديد “من يفعل ماذا”، أي بتعريف الصحافي، بمراجعة المرسوم 115 في فصله السابع، وبالتدقيق مهنيا بين ما هو منتوج صحافي في الإذاعة والتلفزيون وما هو دون ذلك عبر آليات التعديل والتعديل الذاتي.

لقد استوطن التلفزيونَ نمطٌ هجينٌ جديد بين الإخبار والترفيه يُعرف بالترفيه الإخباري أو الإخبار الترفيهي (أنفوتينمنت)، يجمع ما لا يُجمع، أضر بالقطاع ضررا بالغا.

ولن يقلع السياسيون عن توظيف الصحافة والصحافيين ولا الناسُ عن ازدرائهم طالما لم يستعدْ الصحافيون منزلتهم حتى تكون لهم في قلوب الناس والسياسيين منازل.

18