تدخلات المؤسسة العسكرية.. مقارنة بين الحالتين التركية والمصرية

الأحد 2016/07/17
انقلاب مخالف لما تعودت عليه المؤسسة العسكرية التركية

تكاد تكون تدخلات المؤسسة العسكرية بشكل مباشر في الحياة السياسية ودعم الانقلابات، انتهت من قاموس كثير من دول العالم، باستثناء بعض الدول الأفريقية الهشة، التي قد تنجح أو تخفق فيها هذه النوعية من التدخلات، وفي الحالتين تتولد معاناة سياسية، ربما تقود نتيجتها إلى فرض عزلة على الدولة أو عقوبات، أو تتمخض عن حرب أهلية.

ما حدث في تركيا مساء أمس الأول، أكد هذه النتيجة، حيث فشلت محاولة الانقلاب، التي قامت بها وحدات عسكرية، عندما تصدت لها قطاعات كثيرة من المواطنين المؤيدين أو المعارضين لحكم حزب العدالة والتنمية، وأجبرتهم على العودة إلى ثكناتهم أو الاستسلام.

التداعيات التي وصلت إليها الأوضاع في تركيا وجعلت دولا متعددة تحبس أنفاسها، طرحت سؤالا مهما حول أسباب فشل تدخل الجيش في تركيا، ونجاحه في مصر مرّتين، إحداهما في ثورة 25 يناير 2011 والأخرى في ثورة 30 يونيو 2013، مع مراعاة التسليم بأن هناك فروقا جوهرية كثيرة في الحياة العسكرية والسياسية والاجتماعية في البلدين.

الطريقة التي أديرت بها محاولة الانقلاب التركية بدت لكثيرين تقليدية، أو بمعنى أدق بدائية، فلم تراع جملة كبيرة من المستجدات على الساحة الداخلية، جعلت ثمة “فوبيا” من أيّ تدخلات عسكرية من قبل الجيش التركي، الذي سبق وأن قام بتدخلات مباشرة عدة، غيّرت مجرى الحياة السياسية، كما أنه لم يراع البيئة الدولية وردود الفعل حيال دور الجيش، واتخاذ مواقف صارمة من محاولات الانقلاب أو التدخل السياسي عموما، في وقت تمرّ فيه المنطقة بتغيّرات ربما تقلب خريطتها رأسا على عقب.

من هنا كانت تدخلات المؤسسة العسكرية المصرية أكثر حنكة في الثورتين الأخيرتين، فلم تتخل عن الشرعية الحاكمة، إلا استجابة للشعب، وكانت الأرضية ممهدة، حيث خرج الملايين إلى الشوارع منددين بنظام حسني مبارك في ثورة يناير، ورافضين استمرار حكم الإخوان في ثورة يونيو، كما كان هناك إجماع داخل الجيش على دعم مطالب الجماهير، ولم نسمع عن خلاف في صفوفه، ومضت الأمور كما أراد وخطط لها قادته.

الحال في تركيا، كانت معكوسة، حيث نزلت وحدات من الجيش أولا إلى بعض شوارع العاصمة السياسية أنقرة والعاصمة التاريخية إسطنبول، أملا في أن تحظي بتأييد شعبي، لكن ما جرى أن من خرجوا كانوا من المؤيدين للنظام الحاكم، الأمر الذي اعتبر جرس إنذار على فشل محاولة الانقلاب أو الدخول في صدام مع المواطنين، وتحمّل التكاليف الباهظة لذلك، خاصة أنه لم يجد مؤيدين له يساندون التحرك.

الخطوات التي اتبعها الجيش المصري كانت محكمة، فعلاوة على الدعم الشعبي الجارف لتدخله في الحياة السياسية، تم التعامل مع البيئة الخارجية الرافضة لتدخل العناصر العسكرية بقدر من الذكاء، إذ تم إشراك القوى المدنية في تحديد مصير الثورتين مبكّرا، وجرت مداولات واسعة مع غالبيتها، بشكل لا يوحي أن الجيش يقوم بالانقلاب على رئيس مدني، لا سيما أن المقدمات التي اتخذها الجيش، بشكل مباشر أو غير مباشر، عززت تحركاته التالية، وفوّتت الفرصة على من اتهموه بالانقلاب. كما كان الغضب كبيرا من النظامين اللذين ثارا عليهما المصريون، بما مهّد الطريق للحصول على دعم عربي ودولي، ساهم في منح شرعية مطلوبة للمضيّ قدما في ترتيبات عزل الرئيسين حسني مبارك، ومحمد مرسي.

الترتيبات التي تمت قبل وأثناء وبعد الثورتين في مصر، كانت معدّة بطريقة راعت مجموعة كبيرة من الحسابات والتقديرات، وأفضت إلى المباركة الشعبية لتدخل الجيش في الحياة السياسية

البانوراما السابقة لم تكن موجودة في محاولة الجيش التركي الساعي لعزل رجب طيب أردوغان، والأدهى أن الجيش كان منقسما على نفسه، ناهيك عن رفض الجهات الأمنية الأخرى (جهاز الشرطة) لهذه المحاولة، بينما الوضع كان مختلفا في مصر، حيث توافر للمؤسسة العسكرية غطاء قوي من جهاز الشرطة، وهو ما ساعد على تمرير جميع الإجراءات التي اتخذت ضد الرئيسين السابقين (مبارك ومرسي) بسلاسة كبيرة، بل وبمباركة من معظم القطاعات المدنية في مصر.

أضف إلى ذلك، أن النداءات التي وجهها الرئيس السابق محمد مرسي وجماعة الإخوان لخروج المواطنين ضد الجيش فشلت جميعها في تحريك الشارع لنصرته، ومن استجابوا لاحقا مالوا للعنف، فوقع على الإخوان المزيد من الضرر المعنوي. في حين كانت الاستجابة سريعة في حالة أردوغان، الأمر الذي كشف حجم الشعبية التي يتشدق بها كل طرف، ففي حالة مرسي بدت متدنية جدا، بينما في حالة أردوغان ظهرت مرتفعة جدا، كما أن الديمقراطية الراسخة في تركيا، مقارنة بها في مصر، لعبت دورا إضافيا في حسم الجولة لصالحه.

وهذا فرق لم ينتبه له عسكريو تركيا، بينما كان جليا لدى عسكريي مصر، الذين ظلوا على الدوام كتلة متماسكة عصية على الاختراق، عكس نظرائهم في تركيا، حيث تعرضوا لإغراءات وضغوط على مدار السنوات الماضية، أثّرت على عقيدتهم، فقد انحاز قطاع منهم أيديولوجيا إلى حزب العدالة والتنمية بتوجهه الإسلامي، وتمت تغذيته بعناصر موالية، وأجريت عملية إحلال وتبديل في هياكله أرخت بظلالها على ولاءاته.

وهو ما حاولت جماعة الإخوان القيام به مع الجيش المصري، لكنّ مناوراتها أخفقت، بحكم قصر عمر تجربتها في الحكم، وعدم قدرتها على فهم عقيدة الجيش المصري، المعروف أن ولاءاته وطنية بالأساس منذ عشرات السنين، والدليل وقوفه في مشهدين نادرين خلف صياح الجماهير، وعدم دعم الرئيس الحاكم في الحالتين، عندما فقد كل من مبارك ومرسي شرعيتهما المستمدة من تأييد المواطنين.

الترتيبات التي تمت قبل وأثناء وبعد الثورتين في مصر، كانت معدّة بطريقة راعت مجموعة كبيرة من الحسابات والتقديرات، وأفضت في النهاية إلى المباركة الشعبية لتدخل الجيش في الحياة السياسية، وهو ما لم يتمكن عسكريو تركيا القيام به، بما أوحى أن تدخلهم لم يكن مخططا له بصورة جيدة، بل مفتقدا إلى الفهم المتماسك للأجواء العامة، ولطبيعة الشعب التركي، التي عانت من مرارات التدخلات السابقة، في حين كان تدخل الجيش المصري وقيامه بثورة 23 يوليو 1952 علامة بيضاء لا تزال تحظى بتأييد قطاعات كبيرة من المواطنين، لذلك كان دعمهم جارفا لتدخله في ثورتي يناير ويونيو.

التدخلات السياسية التي تقوم بها الجيوش في كثير من دول العالم، لا أحد يستطيع إنكارها، وغالبا بالتنسيق مع المستوى المدني، وتبدو غير ظاهرة لكثيرين، لكن التدخلات السافرة لم تعد مطلوبة أو مرغوبة، ويمكن أن تؤدي إلى انقسامات فاضحة في هياكل الدولة، وهو ما يخشى البعض أن تصل إليه تركيا، وحاولت مصر التحايل عليه واللجوء إلى غطاء مدني في غالبية الخطوات التي تمت بمعرفة جيشها.

كاتب مصري

5