تدخل الأقارب في تربية الطفل يغذي مشاعر الكراهية تجاههم

تعدّد المربّين يربك الطفل ويفقده مكتسباته التربوية.
الاثنين 2021/01/11
فتور وتجاهل

يتدخل الكثير من الأقارب، مثل الأعمام والأخوال، في تربية الأطفال، رغبة منهم في تقويم سلوكهم خاصة في غياب الأب. إلا أن أسلوبهم في الكثير من الأحيان قد يأخذ منحى سلبيا يؤثر على نفسية الأطفال ويغذي مشاعر الكراهية لديهم تجاههم كلما تقدموا في العمر، خاصة إذا كان هذا الأسلوب يعتمد على العنف اللفظي والجسدي.

يتعرض بعض الأطفال في مرحلة الطفولة والمراهقة إلى أساليب تربوية قاسية يتّبعها المقربون منهم وخاصة الأخوال والأعمام، إلا أن هذه التدخلات التي تكون بدافع التربية والحرص على مصلحة الطفل لها آثار سلبية عليه، وقد تصيب علاقته بأقاربه بالفتور والتجاهل وحتى الحقد.

وقال الشاب سفيان بن سالم، إنه لا ينسى معاملة عمّه القاسية له عندما كان طفلا، ولا ينسى أنه كان يتعمّد دائما إذلاله وإهانته وتعنيفه جسديا في الكثير من الأحيان.

وأضاف لـ”العرب”، “لا أشعر تجاهه بأي مشاعر، فهو فقط شقيق والدي، وحتى عندما عرض علي العمل معه رفضت، لأن معاملته لي لم تتغير، وصور العنف اللفظي والجسدي الذي تعرضت له في طفولتي لم تمح من ذاكرتي”، مؤكدا أنه لا تربطه به أي علاقة حقيقية ولا يكنّ له أي عواطف.

ومن الشائع جدا أن يتدخل الأقارب في تربية الأطفال بأساليب مختلفة في أسرهم في أغلب المجتمعات، فالكثير من الشبان الذين عاشوا في عائلة ممتدة خضعوا فيها إلى تدخل أقاربهم في تربيتهم أيضا، وخاصة العم الذي يكون في أغلب الأحيان صارما في تعاملاته وفي أسلوبه التربوي الذي يعتمد على القسوة، على الرغم من أن هذه القسوة غير ناتجة عن مشاعر الكره مثلما يترسّخ في مخيلة الطفل.

عائشة الشالجي: تدخل الجدّ أو العم أو الخال في تربية الأبناء يجب أن يكون إيجابيا

ونبّه أخصائيو التربية إلى أنه بالنسبة لتدخل الأقارب في تربية الأطفال، فإن الوضع معقّد ومربك في الكثير من الأحيان، ويحوّل الروابط الأسرية إلى تشابكات.

وقال مختص الاستشارات النفسية والأسرية الدكتور مجدي أنور لـ”العرب”، “إن تدخل الأقارب في تربية الطفل يؤدي إلى تشتته بسبب الآراء المختلفة التي يتلقاها”.

وأشار المختص المصري إلى أن هذا الأمر يفقد الأب والأم القدرة على اتخاذ القرار في كل ما يتعلق بجوانب حياة طفلهما، نظرا إلى سيطرة أطراف أخرى وتدخلها في توجيهه وتربيته.

وأكد الخبراء أن كل تدخل يتعارض مع أسلوب تربية الأب والأم أو محاولة تعديله دون إذنهما ورعايتهما ومهما كان مصدره، هو تدخل سلبي في تربية الطفل ويؤثر في حالته النفسية، حيث إنه غالبا ما يعكس تدخل الأهل المباشر في تربية الأبناء طبيعتهم المتسلطة، مما يسبب ارتباكا في التزام الطفل واستجابته، بالإضافة إلى فقدانه للمكتسبات التربوية التي غرسها الأهل لديه وفقدان احترامه لوالديه أو لجدّيه أو لعمه أو خاله.

وشددوا على ضرورة إدراك خطورة المرحلة العمرية التي يمر بها الأطفال إلى ما بعد سن المراهقة، حيث إنهم يتعاملون مع المواقف التي يتعرضون  لها بمشاعرهم، من خلال النماذج التي تُعرض عليهم باستمرار، وعندما يحاول أي شخص تقديم نماذج متباينة للسلوك المرغوب أو الممنوع، يصل الطفل إلى حالة من الارتباك، قد تؤثر على مستقبله وبناء شخصيته ومنظومته القيمية والأخلاقية التي تتحكم في سلوكه.

كما لفتوا إلى أن تدخل الأقارب في تربية الطفل يؤدي إلى انعدام شعوره بالأمان وفقدانه الثقة في والديه وفي قدرتهما على حمايته، خاصة عندما يتعرض لتدخلات قاسية في تربيته من الآخرين، قد تصل إلى الضرب والتعنيف، دون أن يحرك الوالدان ساكنا لإيقاف هذا السلوك.

مسؤولية الجدة لا تقل عن مسؤولية الأم
مسؤولية الجدة لا تقل عن مسؤولية الأم

وأفادت أخصائية علم النفس والتثقيف الصحي اللبنانية ميساء نحلاوي بأن “تعدد المربين يربك الطفل فلا يعرف من المسؤول وكلمة مَن النافذة، الأمّ والأب هما المسؤولان عن تربية الأطفال، وتدخل الآخرين غير مرغوب به، كما أن تعرض الطفل للّوم والتهديد من أي كان، رسالة خاطئة ستؤثر سلبا على طريقة تفاعله مع الآخرين في المستقبل”.

وتتعدد دوافع الأقارب للتدخّل في العلاقات الأسرية، فتجعل أهل الزوج أو الزوجة يتدخلون في تربية الأبناء، وقد يكون ذلك بدافع الحب والعطف والشعور بالمسؤولية، وقد تكون الدوافع اجتماعية لها علاقة بالخوف عليهم من الخروج عن المسار الصحيح، وقد تصاحب هذه العلاقة الاجتماعية بعض التدخلات السلبية من قِبل الأقارب المسموح لهم بمشاركة الآباء في تربية الأبناء، مثل الجدود والأعمام والأخوال وبعض المقربين ذوي الثقة.

وقالت غدير مصلي الحاصلة على ماجستير في التوجيه والإصلاح الأسري في السعودية “إن التدخل عادة يحدث عندما يشعر الأقارب بضعف قدرة الوالدين على التوجيه، خاصّة إذا كان الطفل هو الأول في الأسرة، أو أنه من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو أن الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أطفالهم قليل بسبب ظروف العمل أو حتى المرض، وهذا التدخل عادة ما يكون إيجابيا، لأنه متفق عليه ويتم تحت إشراف الأبوين ويزرع الطمأنينة في نفوس الأبناء، وينمي فيهم الروح الإيجابية والذكاء الاجتماعي”.

ونبهت إلى أنه “في المقابل هناك تدخل آخر يتم دون رغبة الوالدين، ويصدر من أقرباء مختلفين في الأفكار والقيم والسلوكيات المرغوبة للوالدين والتي يجاهدان للحدّ منها عند أطفالهم، وهذا النوع يشتت الطفل بين ما يزرعه الوالدان من قناعات وسلوكيات وما يناقض ذلك من قِبل الأقارب”.

ويؤدي استخدام المقربين للعنف اللفظي والجسدي ضد الطفل إلى تغذية مشاعر الحقد والكراهية تجاههم وعدم التواصل معهم، وتكبر هذه المشاعر كلما كبر الطفل، وعندما يصبح شابا وقادرا على اتخاذ قراراته الشخصية يتجنب تماما التواصل معهم وحتى التقرب منهم، كما أنه يتجنب رؤيتهم مما يوتر العلاقات العائلية.

كل تدخل يتعارض مع أسلوب تربية الأب والأم أو محاولة تعديله دون إذنهما ورعايتهما، هو تدخل سلبي في تربية الطفل ويؤثر في حالته النفسية

ومن جانبها أكدت المختصة العراقية في التنمية البشرية والمعالجة بالطاقة الإيجابية عائشة الشالجي، أن الطفل عندما ينشأ في بيئة مختلفة تتداخل فيها الكثير من الآراء والأساليب التربوية، تكون شخصيته وسلوكه مختلفين، عكس الطفل الذي ينشأ في بيئة يكون الأب والأم فيها هما مصدر التوجيه والتربية فقط.

وأوضحت قائلة لـ”العرب”، “تدخّل الجد أو العم أو الخال في تربية الأبناء يجب أن يكون بالاتفاق مع الآباء والأمهات، ويجب أن يكون إيجابيا ويخدم مصلحة الطفل ولا يتضمن أي جانب من الجوانب السلبية، مثل الصراخ أو الإهانات حتى لا تهدم العلاقة بينهم”.

وشددت على ضرورة تجنب العصبية والانفعال في هذه المواقف، واتباع أسلوب الحوار مع الطفل، وتبني السلوك الإيجابي وتجنب السلوك السلبي عند المناقشة، مما يؤدي إلى عدم التقليل من شأن الأقارب واحترام رأيهم والحرص على التواصل معهم.

ولفت الخبراء إلى أن مساهمة الأقارب في تربية الأطفال لا يجب أن تخرج عن الإطار الذي يرسمه الآباء، مؤكدين أن المعايير الاجتماعية التي تميّز مجتمعا عن آخر تلعب دورا حاسما في رسم ملامح التدخلات المرفوضة والمقبولة، حيث ترى بعض المجتمعات أن مسؤولية الجد والعم في تربية الطفل لا تقل عن مسؤولية الأب والأم، وهي بمثابة تفويض مطلق للتربية بغض النظر عن الأسلوب.

 
21