تدخل الجيش المصري لضبط الأسعار رسالة للحكومة والقطاع الخاص

قلّل خبراء من جدوى تحرك المؤسسة العسكرية في مصر نحو ضبط الأسعار على المدى الطويل، وأكدوا أنه يمكن أن يقدم حل مؤقتا لغليان الأسعار، الذي تفاقم مؤخرا، لكن إيجاد حل نهائي يحتاج إلى إجراءات لا تعتمد على جهة واحدة للتصدي لها.
الثلاثاء 2016/04/26
نافدة لتخفيف احتقان الشارع

القاهرة – لجأ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى إجراء غير تقليدي لكبح أزمة انفلات الأسعار، وكلف الحكومة بحساب فرق أسعار السلع الأساسية، الذي حدث خلال الفترة الماضية، وإضافة نقاط إلى منظومة التموين تعادل أو تزيد عن حجم التضخم، بسبب ارتفاع سعر الدولار.

وتشير بيانات البنك المركزي إلى أن معدل التضخم ارتفع في مارس بنسبة 9.2 بالمئة، على أساس شهري، ليضيف عبئا ماليا إضافيا إلى الحكومة، التي تحركت لتعويض المواطنين عن ارتفاع الأسعار.

ويملك كل مواطن مصري بسيط بطاقة تموين له ولأسرته يحصل بها على عدد من السلع الأساسية التي تقدمها الحكومة بأسعار مدعمة (زهيدة).

واضطر السيسي للاعتماد على القوات المسلحة في القيام بدور استثنائي في التدخل لحماية الفقراء ومحدودي الدخل بتوزيع مليوني سلعة من خلال منافذ ثابتة ومتحركة في محافظات البلاد.

واقترح أن يقدم جهاز الخدمة الوطنية التابع للجيش، لوزارة التموين ومؤسسات الدولة السلع الغذائية بسعر مناسب لبيعها للمواطنين بما يتلاءم مع أحوالهم المعيشية المتدنية، مهما كان سعر الدولار، لمواجهة غلاء الأسعار.

ويملك جهاز الخدمة الوطنية عدة مصانع لإنتاج المواد الغذائية، ومساحات واسعة من المزارع التي تنتج محاصيل أساسية يحتاجها السوق المصري، إلى جانب مزارع تربية الدواجن والحيوانات، ما يمكنه من عرض الكثير من المنتجات في السوق المحلي بأسعار تقل عن مثيلاتها بنسبة 50 بالمئة.

80 بالمئة من حاجة مصر إلى السلع يتم استيرادها والواردات ضعف الصادرات

ورصدت “العرب” انتشارا مكثفا لسيارات جهاز الخدمة الوطنية في شوارع وميادين القاهرة، لبيع السلع بأسعار زهيدة، وسط إقبال كبير من المواطنين الذين يجدون فيها ملاذا لحمايتهم من جشع التجار.

وتسبب ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات قياسية مؤخرا متجاوزا حاجز 12 جنيها، في زيادة الأسعار بشكل غير مسبوق، وصل في بعضها إلى 100 بالمئة.

وتستورد مصر نحو 80 بالمئة من احتياجاتها من الخارج، وتصل فاتورة الاستيراد إلى حوالي 60 مليار دولار، في حين لا تزيد الصادرات عن نصف حجم الواردات.

يتوقع خبراء اقتصاد أن يشهد سعر الدولار هبوطا خلال الفترة المقبلة، بعد الوديعة الإماراتية لدى البنك المركزي، بقيمة 2 مليار دولار، وقد بدأ بالتراجع فعلا منذ يوم الجمعة الماضي، ما يرجح تراجع أسعار السلع في الفترة المقبلة.

وفسر مراقبون تكرار تأكيد الرئيس المصري على تدخل الجيش لضبط الأسعار، على أنه رسالة ضمنية بأن الحكومة تراخت في حل الأزمة، ورسالة أخرى للتجار ورجال الأعمال بأن الدولة لديها آليات، لوقف جنون الأسعار.

محمود العسقلاني: استدعاء الجيش خطوة مؤقتة لتهدئة السوق لحين ضبط سعر صرف الدولار

قال أشرف الفقي، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم الإدارية، “إن وجود الجيش في صدارة مشهد ضبط الأسعار ‘إيجابي للغاية’، لكنه ليس حلا للأزمة، في ظل عدم وضع الحكومة سياسة طويلة المدى للقضاء على احتكار السلع في يد مجموعة محددة من التجار، يتحكمون بها وفقا لأهوائهم”.

وأضاف لـ”العرب” أن الحل في تفعيل الأجهزة الرقابية وإعادة فتح المصانع المتوقفة وتدخل الحكومة في عملية استيراد السلع وبيعها بدلا من الاعتماد على رجال الأعمال والتجار، مع تقنين استيراد السلع التي لا يحتاجها المواطن الفقير ومحدود الدخل، وتركها للقطاع الخاص.

ورأى أن تدخل الجيش “رسالة تحذير من الرئيس للحكومة من أنه سوف يضطر للاعتماد على بدائل أكثر انضباطا، كما أنها رسالة للقطاع الخاص في حال الاستمرار على رفع الأسعار”.

ويرى بعض الخبراء أنه يمكن للقوات المسلحة أن تتوسع من خلال جهاز الخدمة الوطنية في تأسيس الشركات المنتجة تدريجيا.

في هذه الأثناء وافق مجلس إدارة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة على إتاحة قطع أراض لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، لإقامة منافذ بيع منتجات غذائية بجميع المدن الجديدة المحرومة من تلك الخدمة.

وقال محمود العسقلاني، رئيس جمعية “ضد الغلاء”، التي تراقب الأسواق، لـ”العرب”، “إن استدعاء الجيش لضبط الأسعار، خطوة مؤقتة الهدف منها إحداث توازن في السوق، لحين استقرار الأمور وضبط سعر الدولار، لكنها غير كافية، وتحتاج إلى مشاركة جميع أجهزة الدولة”. واقترح أن يكون تدخل الجيش عبر إنشاء شركات لإنتاج السلع الأساسية، وبيعها للتجار بهامش ربح محدد، وتعديل القوانين الخاصة بعمليات البيع داخل السوق، بحيث يتم تحديد الربح للتجار.

تحظر المادة الـ10 من قانون الاستثمار على الدولة التدخل في تحديد الأسعار أو هوامش الأرباح لمنتجات الشركات التي تعمل في مصر، إنما المنتجات الأخرى التي يجري استيرادها لا يسري عليها.

ورأى العسقلاني أن إتاحة السلع الغذائية من خلال جهاز المشروعات الوطنية، على أوسع مدى، من شأنه أن يحجّم دور القطاع الخاص حتى يضطر لخفض الأسعار، بالتالي يعاد التوازن إلى السوق حتى يتسنى الخروج من الاختناق الذي تسبب فيه ارتفاع سعر الدولار.

10