تدخل السيستاني في تعيين"خليفة" للمالكي يكشف طائفية السلطة

الأربعاء 2014/08/20
وجد رجال الدين الشيعة طريقهم إلى التحكم في مصير العراق

بغداد - طرحت مسألة التغيير السريع لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وتعويضه بحيدر العبادي المنتمي إلى الحزب نفسه الذي ينتمي إليه المالكي (حزب الدعوة الإسلامي)، تساؤلات جمة حول طبيعة هذا التغيير والجدوى منه خاصة في هذا التوقيت بالذات. وقد أعادت آراء خبراء هذا التغيير إلى الامتداد الإيراني «القوي جدا» في العراق والمتحكم في مفاصل الدولة العراقية باستغلال الأحزاب الإسلامية والتلويح بغول الطائفية والحشد الديني، خاصة وأن ترشيح العبادي جاء بعد الاستئناس برأي رجل الدين الشيعي على السيستاني.

يمثل حزب الدعوة الإسلامية في العراق أحد الأحزاب التي تشارك في السلطة بمعية “ائتلاف” حاكم اصطبغت فيه العلامات الطائفية بامتياز حسب تأكيد العديد من الخبراء والمتابعين للشأن العراقي.

وتقود الملاحظين اتجاهات نحو فهم تموقع حزب الدعوة ودوره في ديناميكية السياسة العراقية الآن، فقد شكل هذا الحزب “الجناح المقابل لتطرف بعض التنظيمات الإسلامية المتشددة الأخرى” يمكن مقارنتها حتى بما يسمى “الدولة الإسلامية” ( داعش) والتشكيلات المتطرفة الأخرى وجماعة الإخوان.

فقد كشف بيان لحزب الدعوة الإسلامية في العراق أن ترشيح حيدر العبادي لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة عوض رئيس الوزراء السابق نوري المالكي جاء بعد الاسترشاد برأي المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني. ويعتبر هذا الكشف إشارة أخرى إلى مدى تشبث أحزاب الإسلام السياسي عموما في العراق وحزب الدعوة بشكل خاص بالماهية التقليدية الدينية التي من خلالها يمارس السياسة ويدير الشأن العام.

فقد ربطت قيادات حزب الدعوة والسلطة العراقية الحالية التي لا تخفي ولاءها لإيران مصير العراقيين كافة، بكل طوائفهم وأعراقهم وقومياتهم باستشارة دينية للمرجع الأعلى الشيعي علي السيستاني، الذي تسجل في سجله “فتوى” تمنع العراقيين من مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003، وهو ما يضع المصداقية الوطنية للمرجعية محل نظر العديد من الأوساط السياسية العراقية والعربية.

وذكر البيان الذي وزع في الفترة السابقة، أنه “نتيجة للأوضاع الاستثنائية التي تمر بالبلاد والانعكاسات الخطيرة للخلافات السياسية على الوضع الأمني والمعيشي للمواطنين وعلى وحدة العراق ووجوده، فقد خاطبت قيادة حزب الدعوة الإسلامية سماحة المرجع الأعلى علي السيستاني طالبة رؤية المرجعية للاسترشاد بها وقد أجاب سماحته قيادة الحزب برسالة كريمة ترى فيها المرجعية العليا ضرورة الإسراع في اختيار رئيس جديد للوزراء يحظى بقبول وطني واسع”.

يمثل حزب الدعوة الإسلامية الشيعي الجناح المقابل للتطرف الذي تقوده الدولة الإسلامية وفصائل أخرى متشددة

وتؤكد هذه الفقرة في البيان، أن إدارة الحزب الإسلامي للعراق ليست بمعزل عن المرجعيات الدينية التي طالما تشكل تململا في الأوساط السياسية الأخرى التي ترى ضرورة فصل رجال الدين عن السلطة، خاصة وأن الشعور الطائفي في العراق الآن في أعلى درجات تدفقه وربما يكون معطى رئيسيا في تحريك النزاعات المسلحة المندلعة منذ أسابيع في شمال وغرب بغداد. وبالتالي فإن الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه هو أن التصريح بالعودة للمرجع الشيعي في هذا الظرف بالذات سوف تكون له عواقب وخيمة على الأمن والاستقرار، وهو ما يتناقض وسياق “حفظ الأمن ومصلحة البلاد” التي تم ذكرها في البيان.

فالرسالة السياسية التي أراد حزب الدعوة الإسلامية تمريرها هي “التمسك بالمنطق الطائفي في التعامل مع الأزمة العراقية”.

وفي سياق الدعاية الإعلامية للحزب الإسلامي، دعا حزب الدعوة الإسلامية في العراق في بيان صحفي، الكتل السياسية إلى التعاون مع رئيس الحكومة المكلف حيدر العبادي للإسراع بتشكيل الحكومة ضمن المدة الدستورية واختيار وزراء أكفاء لإدارة الشؤون، ولكن مراقبين يؤكدون في الحين ذاته أن معنى هذا التصريح هو أن “الطائفة الشيعية لا تزال تتحكم في الواقع العراقي رغم كل الضحايا والحروب المندلعة”.

وشدد البيان على “أهمية تكاتف القوى والكتل السياسية ونبذ الخلافات لمواجهة التحديات الخطيرة والحفاظ على وحدة العراق وحماية المواطنين”.

وأضاف البيان الذي أكد أن تعيين حيدر العبادي بعد استشارة السيستاني أنه “عند استلام الرسالة الجوابية قررت قيادة الدعوة فورا الالتزام برأي المرجعية المباركة انطلاقا من متبنياتنا الشرعية والسياسية وخط سير حزب الدعوة الإسلامية وطرحت مرشحا جديدا لرئاسة الوزراء حسب رأي المرجعية العليا وبعد استكمال انتخاب رئاسة مجلس النواب ورئيس الجمهورية وبدء التوقيت الدستوري لتكليف رئيس لمجلس الوزراء فقد رشح حزب الدعوة الإسلامية حيدر العبادي والذي تم تكليفه باعتباره من ائتلاف دولة القانون ومرشحا عن التحالف الوطني العراقي”.

بنيت استراتيجية الخطاب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية على الخلفية الطائفية

وتبين هذه الرسائل أن مسألة حل الخلافات على المستوى العام وأفق الخروج إلى بر الأمان في العراق ليست بقريبة، بل إن السلطة ذاتها تتعامل بمنطق طائفي والوقوف على حد النقيض مع التشكيلات الإرهابية الأخرى التي تقوم بجرائم ضد العراقيين والإنسانية خاصة ما يسمى بـ”داعش”.

ويعيد العديد من الخبراء هذا الخطاب الطائفي والأحادي إلى طبيعة الدستور الذي وضع لحكم العراقيين بعد الاحتلال الأميركي بإشراف من بول بريمر آنذاك.

وأوضح الحزب في بيانه أنه قد “برزت عقبات كبيرة أمام ترشيح نوري المالكي وعوامل داخلية وخارجية منعت إمكانية تشكيله الحكومة فضلا عن إصرار بعض الكتل السياسية على عدم اعتماد النتائج الانتخابية وحدها كأساس لتشكيل الحكومة، بل لابد من استمرار سياسة التوافق بين الكتل السياسية لتحديد المرشحين للمناصب العليا في الدولة ما أدى إلى تلكؤ في الخطوات والتوقيتات الدستورية في وقت نحن أحوج فيه إلى الإسراع في هذه الإجراءات لمواجهة الإرهاب الذي يهددنا جميعا ولابد من التكاتف لمواجهة الأخطار التي تواجه البلاد والسير نحو الأمن والاستقرار والازدهار”.

ويأتي هذا التصريح في حين أن الانتخابات التي تم إجراؤها في الثلاثين من أبريل الماضي قد تم التشكيك فيها من قبل طيف واسع من الأحزاب العراقية وتؤكد الأحداث الأخيرة أن “نسبة هامة من العراقيين يعارضون بقاء المالكي على رأس السلطة لأنه اضطهدهم” وهم أساسا من عشائر الشمال والغرب العراقي.

وقد أثبتت التصريحات الإعلامية لحزب الدعوة الإسلامية، واستراتيجية الخطاب السياسي التي اعتمدها، قصورا في التعاطي مع الأحداث الأمنية والسياسية بالعودة إلى المنطق الطائفي، ورؤية الواقع من خلال المركبات الأيديولوجية الضيقة المبنية على مسيرة تنظيمية للحزبيين لم تغادر أطر الفكر الديني ووصايا رجال الدين القائمين على الحياة السياسية.

وهو ما حدث فعلا مع تعيين حيدر العبادي الذي لم يشارك العراقيين في تزكيته، بل إن ترشيحه جاء بعد “استشارة” مرجعية دينية طائفية.

13