تدخل الفقهاء في مجالات غير دينية يعكس سعيا للهيمنة على المجتمع

إصرار مفتي مصر السابق علي جمعة على الإفتاء في غير تخصصه قد يفتح الباب أمام الجماعات المتشددة لإعادة إنتاج أحاديث متطرفة سابقة بشأن "حُرمة" الآثار.
الأربعاء 2020/04/29
تصريح علي جمعة يوفر فرصة لخطاب متطرف يحرم الآثار

السطوة التي فرضتها جماعات سلفية سابقا فتحت الباب على مصراعيه للخلط بين الدين والعلم، لكن أن تنتقل الظاهرة إلى عالم متزن مثل علي جمعة، مفتي مصر السابق، فهي والكارثة سواء، وتعني أن هناك فقرا في المجتمع، وتآكلا في الفتاوى، وتراجعا في قيمة العلماء.

القاهرة- التصريحات التي ذكر فيها علي جمعة، مفتي مصر السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن تمثال “أبوالهول” القابع في محافظة الجيزة، القريبة من القاهرة، يصور وجه النبي إدريس، أثارت حالة من الغضب بين علماء الآثار، ما اعتبروه تشويها للعلم واعتداء على التاريخ من غير المتخصصين.

قال المفتي السابق في برنامج “أرض الأنبياء” الذي يذاع على فضائية “سي.بي.سي” المصرية، إن التمثال موجود من قبل بناء الأهرامات الثلاثة، وكان المصريون القدامى يقدسونه لأنه علمهم الحكمة، لافتا إلى أن إدريس هو المعروف في الأسطورة المصرية بأوزيريس، كان بمثابة المعلم الأول للفراعنة في فن التحنيط وبناء الأهرامات.

جدد كلام جمعة أحاديث سابقة، حاولت فيها بعض الشخصيات السياسية إثارة لغط حول بُناة الأهرامات، وزعمت دوائر إسرائيلية أن من وضعوا لبناتها اليهود، وتتردد هذه الروايات من وقت لآخر، بما يفجر براكين من الغضب، ويحرف الأنظار بعيدا عن قيمتها الحضارية ويدخلها في زوايا سياسية مثيرة.

مهما كان اجتهاد علي جمعة غير العلمي، فهو يجلب معه ضجة قد تدخل على خطوطها جماعات إسلامية متشددة، وتنتهز الفرصة للعودة إلى الحياة السياسية بعد أن تمكنت أجهزة الأمن من تحجيم دورها في الشارع المصري.

أصدر زاهي حواس، عالم المصريات ووزير الآثار الأسبق، الأحد، بيانا دعا فيه الشيخ جمعة إلى الكف عن الإفتاء في علم الآثار، لأنه تحدث بكلام “لا يمت إلى العلم بصلة، ويردد كلام بعض المهووسين بالآثار دون علم أو دراسة”، متعجبا من إصرار الرجل على الإفتاء في غير تخصصه، ويتساوى مع ما ذكره البعض من قبل من أن الأهرامات بناها أناس أتوا من قارة أطلانتس المفقودة.

يملك علماء الآثار أدلة علمية على أن الملك زوسر هو أول من بنى هرما في مصر، والذي غيّر البناء من الطوب اللبن إلى الحجر هو المهندس المصري القديم إيمحتب، وأقدم بردية عُثر عليها، وهي بردية وادي الجرف، تحدث فيها رئيس العمال “مرر” عن بناء هرم خوفو، وكانت منطقة الهرم في الماضي تسمى “عنخ خوفو”، بمعنى “خوفو يعيش”، أي القصر الذي يسكن فيه الملك خوفو.

علي جمعة يصدر فتوى اعتبر فيها تمثال “أبوالهول” يصور وجه النبي إدريس
علي جمعة يصدر فتوى اعتبر فيها تمثال “أبوالهول” يصور وجه النبي إدريس

وقال نبيل أنور، الباحث الأثري، لـ”العرب”، إن تصريحات علي جمعة تعكس ضعف وعي أثري يسود لدى الكثيرين، فالرجل لو كلف نفسه بالقراءة في علم المصريات لما نطق بشيء يخالف العلم. وأشار إلى أن “أبوالهول” له وجه إنسان وجسد أسد، وأن المصريين القدماء كانوا يصورون الفرعون المنتصر على هيئة أسد، وهناك تماثيل عديدة قريبة الشبه ما يعني أنه أمر معتاد.

هناك رأي آخر، يقول إن “أبوالهول” يمثل الملك خوفو، خاصة أن هناك تماثيل صغيرة للملك خوفو تشبه وجهه، وفي كل الأحوال ليس نبي الله إدريس.

تتجاوز الأزمة حدود الخلط الظاهر بين الدين والعلم، وتصل إلى بؤرة الخطر في توفير فرصة مواتية لإعادة إنتاج أحاديث متطرفة سابقة بشأن “حُرمة” الآثار وضرورة التخلص منه، باعتبارها من “الأوثان”، الأمر الذي يفتح بابا مثيرا لللغط في مصر. إذا كان الكثير من رجال الدين يطرحون آراء وأفكارا في الطب والتاريخ والعلوم الاجتماعية والاقتصاد، فإنها ليست المرة الأولى التي يُدلي فيها الشيخ جمعة في أمور خارج تخصصه، فالرجل معروف بلفت النظر بكلام يصطدم مع العلم.

قبل أيام من تصريحه بشأن “أبوالهول”، قال جمعة إن انتشار فايروس كورونا في العالم حدث بسبب إطلاق آلاف الأقمار الصناعية لبدء العمل في شبكات الجيل الخامس.
وبالمثل استفز ذلك القول منظمة الصحة العالمية التي ردت بأن الفايروسات “لا تستطيع الانتقال عبر موجات الراديو أو شبكات الهواتف المحمولة”، وأن كوفيد – 19 ينتشر في العديد من البلدان التي لا توجد فيها شبكات الجيل الخامس أصلا.

كانت للرجل نفسه إطلالات عديدة خارج نطاق الدين تتسم بالغرابة ولا تمت للعلم بصلة، أشهرها ما قاله قبل سنوات من أن الملكة إليزابيثالثانية، ملكة بريطانيا، من آل النبي محمد عليه الصلاة والسلام، زاعما أن إنجلترا قديما ألقت القبض على شخص يدعى الهاشمي من آل النبي، وأرغم على تغيير دينه وهو جد الملكة.

كما ذكر أن دولة قطر سميت بذلك الاسم نسبة إلى إمام الخوارج الشهير قُطري بن الفجاءة، ما دفع المؤرخ الكويتي عبدالعزيز العويد للرد عليه وقتها واتهامه بالجهل.
يعتبر مفكرون أن إصرار بعض علماء الدين على الإفتاء في الطب والعلوم والتاريخ يعكس تشبث رجال الدين بفكرة الوصاية على الناس، كما يعكس اهتمامهم بالسيطرة على المجتمع، وأن الفقهاء كباقي البشر حريصون على لفت الأنظار والشهرة وإثارة الضجة، والظهور بمظهر مَن يمتلكون الحقيقة المطلقة.

إصرار بعض علماء الدين على الإفتاء في الطب والعلوم والتاريخ يعكس تشبثا بفكرة الوصاية الكاملة على الناس

أوضح الكاتب خالد منتصر، لـ”العرب”، أن هناك حالة من الخوف لدى بعض رجال الدين من انصراف الجمهور عنهم، ما يدفعهم إلى التدخل في أدق التفاصيل الحياتية، حتى لو كانت خارج تخصصهم. ولا يعنيهم في مجتمعات يتسع فيها الجهل وتسودها الثقافة السمعية أن يتسق ما يقولونه مع الحقائق العلمية أم لا، كأنهم يدركون أن أحدا لن يراجعهم في ما يذهبون إليه.

تتعدى القضية شخص علي جمعة، إلى كثيرين ممن يصدرون الفتاوى ويتحدثون في الدين، وأدى رواج هذا الموضوع إلى انصراف الناس عنهم وتقزيم ما يقدمونه من آراء بعيدة عن العلم ولا تتسق مع جوهر الدين.

ولفت أحمد سالم، أستاذ الفلسفة بجامعة طنطا، إلى أن رجال الدين يحاولون تكريس سيطرة الديني على كافة العلوم، وبينها التاريخ لأن في ذلك تمكينا لهم، وثمة رغبة لدى رجال الدين في سيطرة الديني على حركة التاريخ، فيلجأون إلى تقديم تفسيرات عجيبة للحضارات القديمة لتعضيد خطابهم الذي أصابه التكلس، بغض النظر إن كانت تلك التفسيرات تتفق مع علم الآثار أم لا.

وتعبّر عملية إقحام رجال الدين في العلوم الحياتية المتنوعة إلى فضاء آخر يصطدم بالدين نفسه الذي دعا الناس لتسأل دائما أهل الذكر إن كانوا لا يعلمون،  وأهل الذكر هنا هم فئة المتخصصين في كل أمر..

13