تدخل المركزي آخر ذخائر لبنان لإنهاء نزيف الليرة المنهارة

الإعلان عن بدء توفير الدولارات لاستيراد المواد الغذائية الأساسية ضمن إجراءات للدفاع عن الليرة المتعثرة.
الجمعة 2020/05/22
أفضل من لا شيء

أعطى إعلان مصرف لبنان المركزي الخميس أنه سيتدخل لحماية الليرة المنهارة من السقوط الحر بارقة أمل للأوساط الاقتصادية والشعبية المستاءة من تقاعس السلطات لأشهر طويلة عن اتخاذ قرارات مصيرية تنتشل البلاد، ولو بشكل مؤقت، من أزماتها المزمنة.

بيروت - كشف مصرف لبنان المركزي الخميس أنه سيبدأ توفير الدولارات لاستيراد المواد الغذائية الأساسية، ضمن “إجراءات ضرورية” للدفاع عن الليرة المتعثرة، والتي دفع انخفاضها الأسعار إلى الارتفاع الشديد.

ويأتي هذا التحرك المتأخر كآخر الحلول الممكنة من أجل حماية العملة المحلية بعد أن فقدت بيروت كل ذخيرتها المتاحة من أجل إنقاذ الاقتصاد المشلول، والذي أثر على معيشة اللبنانيين.

وفقدت الليرة أكثر من نصف قيمتها منذ أكتوبر الماضي، مع غرق البلاد في أزمة مالية على نطاق لم تشهده من قبل، ما جعل الحكومة تطلق صفارات الإنذار من دخول البلاد في أزمة أعمق.

وقال المركزي في بيان إن “الإجراءات الجديدة ستبدأ الأسبوع المقبل (في الـ27 من مايو الجاري) وإن البنوك التجارية يمكن أن تشارك فيها”.

وكان رئيس الوزراء حسان دياب قد قال في خطاب تلفزيوني قبل إعلان المركزي خطوته “تبلغت وعدا من حاكم مصرف لبنان أن المصرف سيدخل في السوق اعتبارا من اليوم (الخميس) لحماية الليرة اللبنانية، ولجم ارتفاع سعر الصرف”.

وأضاف أنه “سيجري دعم استيراد المواد الغذائية الأساسية ومراقبة الأسعار وسيلمس اللبنانيون في الوقت القريب تراجعا في الأسعار”.

وصادقت الحكومة بالإجماع مطلع مايو الجاري على خطة إنقاذ تستغرق 5 سنوات، لانتشال الاقتصاد المحلي من مستويات تراجع حادة، أفضت إلى عجز بيروت عن دفع ديون خارجية.

بيد أن الخطة حظيت برفض شعبي كونها لا تحقق طموحات اللبنانيين، الذين يعانون من ويلات غليان الأسعار وشح الدولار من السوق.

حسان دياب: سيلمس اللبنانيون في الوقت القريب تراجعا في الأسعار
حسان دياب: سيلمس اللبنانيون في الوقت القريب تراجعا في الأسعار

وحذر دياب في تعليقات منفصلة من أن لبنان معرض لمواجهة أزمة غذائية كبرى وأن عددا كبيرا من اللبنانيين قد يجدون صعوبة قريبا في توفير ثمن الخبز بسبب الأزمة المالية الحادة التي تعيشها البلاد وتداعيات جائحة كوفيد – 19.

وقال في مقال بصحيفة واشنطن بوست “يواجه لبنان الذي كان في وقت من الأوقات سلة الغذاء في شرق المتوسط تحديا كبيرا لم يكن من الممكن تخيله قبل عقد من الزمان يتمثل في خطر نشوب أزمة غذائية كبرى”.

وارتفع التضخم والفقر والبطالة، وقفزت أسعار الكثير من السلع الاستهلاكية إلى مثليها في الأشهر الستة الماضية.

ولا يزال من الممكن استيراد القمح والدواء والوقود بالسعر الرسمي المربوطة به العملة المحلية وهو 1507.5 ليرة للدولار، في حين انهارت الليرة في السوق السوداء.

وحاول دياب تقديم طوق نجاة للمواطنين وخاصة الطبقة الفقيرة بالقول “نحن بصدد توسيع شبكات الأمان الاجتماعي لحماية أفراد المجتمع الأكثر ضعفا، ونبذل جهدا لتقديم حزم مساعدات محددة، كما نتخذ إجراءات صارمة ضد المتسببين في غلاء الأسعار”.

وأوضح أن بلاده تواصلت مع صندوق النقد الدولي للحصول على الدعم، “وهذا أمر لا غنى عنه”، إذ بدأت الحكومة، الأسبوع الماضي، مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدة مالية وفنية لتنفيذ خطته الإصلاحية.

وتجبر القيود المصرفية معظم المستوردين على الحصول على العملة الصعبة من السوق غير الرسمية، حيث ارتفع الدولار الشحيح ليسجل نحو 4 آلاف ليرة في الآونة الأخيرة.

وكان المركزي قد قال الأسبوع الماضي إنه يستهدف توفير الدولارات للواردات بسعر صرف يبلغ 3200 ليرة للدولار لخفض أسعار السلع الغذائية.

وأمام الانهيار المتسارع، طلب مصرف لبنان نهاية الشهر الماضي من الصرافين ألا يتخطى سعر بيع الدولار 3200 ليرة. إلا أنه منذ ذلك الحين سجّلت الليرة انخفاضا غير مسبوق في قيمتها مقابل الدولار الأميركي في السوق السوداء.

ومنذ سبتمبر الماضي، تفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الأموال. وفاقم انتشار فايروس كورونا المستجد من الأزمة بعدما امتنعت المصارف عن تزويد زبائنها بالدولار تماما.

وكان يُنظر إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على أنه عراب استقرار الليرة لعقود في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، لكن قوى سياسية عدة تعتبره في المقابل “عراب” سياسة الاستدانة التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة.

وشنت السلطات حملة توقيفات في الفترة الأخيرة طالت نقيب الصرافيين محمود مراد بشبهة التلاعب بسعر العملة المحلية، ولا تزال التحقيقات جارية بشأنه مع مسؤول كبير في المركزي.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، قامت القوى الأمنية بحملة واسعة ضد الصرافين، الذين أغلقوا مكاتبهم، وبات كثر منهم يعملون في الخفاء، فيما واصلت الليرة انهيارها.

وفي خضم ذلك، اتجه لبنان إلى شركات عالمية، ومنها سيمنس وجنرال إلكتريك وميتسوبيشي وأنسالدو إنرجيا، لترتيب تمويل بناء محطات توليد الكهرباء، آملا في الحصول على شروط مناسبة بمساعدة حكومات تلك الشركات.

ونسبت رويترز لوزير الطاقة ريمون غجر قوله إن بلده “عدّل نهجه إزاء تلك العملية منذ تخلفه عن سداد ديونه السيادية في مارس الماضي، ما يعني عدم قدرته على عرض ذلك النوع من الضمانات السيادية التي يطلبها المستثمرون”.

11