تدرج وظيفي

السبت 2014/03/29

يبدو أن الاستبداد فن لا يتقنه سوى قلة من أصحاب المناصب الرفيعة، ابتداء بالمدير التنفيذي في العمل مرورا بموظف الجمارك في المطارات العربية، وليس انتهاء برئيس البلاد وحامل رايتها.

والاستبداد سمة تدخل في تركيبة الشخصية بوصفها ارتفاعا حادا في مستوى العدوانية، التي تستوجب بين الحين وآخر بعض وسائل التنفيس الإرهابية لتهدئة خاطرها، كما تستوجب التضحية بكرامة أحد العاملين أو الموظفين أو المغلوبين على أمرهم، الذين يقع تسلسلهم الطبقي أسفل سلم الرقي، لتطالهم رياح الاستبداد من جميع الجهات ومن دون رحمة.

وأثناء العمل، يصادف أن يكون الأجر مثاليا والجو العام مواتيا، مع وجود رئيس عمل مستبد غير قابل للتخاذل. ورئيس العمل المستبد أنواع؛ فهناك الرئيس القاطرة الذي يندفع إلى وجهته بسرعة قصوى ليطيح بكل ما يقابله من بشر، وهذا النوع من الرؤساء قد لا يتورع في انتقاد عباد الله عند أول زلة ليضيّق الخناق عليهم ويتصيد أخطاءهم على الملأ، مستغلا خبرتهم المتواضعة في العمل وملامحهم المسالمة. أما الرئيس المصاب بداء الوسواس (القهري)؛ فهو لا يرضى عن شيء أبدا ولا يعجبه العجب ولا يعترف بالحسنات مهما كثرت، وهذا هو النوع الذي يعزز الشعور بالإحباط لدى المغلوبين على أمرهم، فيجعلهم ينظرون إلى إنجازاتهم وجهودهم الجبارة، نظرة شك وريبة.

أما الرئيس العدواني البحت؛ فهو الذي يتوقع من الشخص المقابل أن يكون في مستوى خبراته المتراكمة عبر السنين، لذلك فإن العالِم بأمره قد يقضي معظم أيامه وحيدا فريدا من دون عون ولا إرشاد، وهذا يجعل من أجواء العمل أشبه بقاعة امتحان.

وفي بعض الحالات المستعصية، التي تصل فيها نسبة العدوان إلى مستويات مرتفعة، تتشابك خطوط الاستبداد في شخصية رئيس العمل؛ فيتمثل لضحيته في ثورات غضب متصاعدة، فنراه مسافرا على عجل في قاطرة الغضب حاملا معه وساوسه وعدوانيته ومزاجه القاتم مرة واحدة، ليتمثل في صورة أسد غير جائع على وشك الانقضاض على ضحيته ليتركها طعاما مباحا للقلق والإحباط وقلة ذات اليد.

وبعض الدراسات النفسية تؤيد ظاهرة الاستئساد، حيث تقرر بأن صاحب العمل الذي يصرف وقته وطاقاته في محاولات عقيمة لفرض مستوى معين من العدالة بين الموظفين، يجعل من نفسه ضحية محتملة للإنهاك والاستنزاف النفسي والعقلي، وبالتالي فإنه أكثر عرضة لارتكاب أخطاء في العمل وأقل مقاومة لدوافعه المنحرفة، فيسهل ارتكابه بعض (الهفوات) كالاختلاس والغش. ربما يمثل تحقيق العدالة في موقع العمل أمرا مفيدا للعاملين وأصحاب المؤسسات، لكنه ليس كذلك بالنسبة إلى المدراء الذين يواجهون الأمرّين ليرسموا ابتسامة رضا على وجوه الجميع، وهي – بالتأكيد – غاية لا تدرك.

لذلك، يفضل بعضهم إفراغ شحنات من التوتر النفسي عالية الاستقطاب في وجه الأبرياء، من الموظفين فوق الأرض، لتلافي الخيار الثاني الذي يجعلهم عرضة لارتكاب هفوات سلوكية منحرفة تقودهم إلى الهاوية القضائية.

أما أصحاب العمل الذين لم يأخذوا بنصيحة علماء النفس ولم يفرغوا شحنات غضبهم في الأوقات المناسبة، فقد تحولوا بفعل التقادم إلى رؤساء دول نامية وحكام مسالمين ضحوا بأنفسهم في العلن لإرضاء شعوبهم ولتحقيق العدالة على أرض الوطن، وهم لهذا مازالوا بفعل نظرية علم النفس يرتكبون مضطرين أخطاءهم البسيطة في الخفاء؛ كسرقة بعض الممتلكات الخاصة والضحك على ذقون العامة.

21