تدريب الدعاة على ثقافة التسامح يقي المجتمعات الفتنة

التحريض على الكراهية والفتنة بين أبناء المجتمع الواحد، واهتزاز استقرار الشعوب وسلمها نتيجة الطائفية والخطاب المتطرف، تعد اليوم اشكالات جدية مطروحة على النخب والعلماء والحكومات والإعلاميين وغيرهم، الأمر الذي يدعو إلى استنفار كل هذه الطاقات في سبيل اخماد نار الفتنة التي بدأت في تهديد الإنسانية قاطبة، وخاصة المنطقة العربية التي يجب أن تكون نموذجا كونيا في السلم الاجتماعي والتسامح.
الثلاثاء 2015/06/09
على عاتق القادة الدينيين مهمة التحفيز على ترشيد الخطاب الديني

جدة (السعودية)- انطلقت في مقر الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي بمدينة جدة، أعمال ندوة تحت عنوان “من الاعتماد إلى التنفيذ: كيفية تعزيز التنفيذ الفعال لقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 16 و18” والخاص بمكافحة التحريض على الكراهية والتمييز والعنف بدافع الدين أو حرية المعتقد. وقد شهد الاجتماع حضورا كثيفا تجاوز 90 خبيرا دوليا في مجالات حقوق الإنسان والأقليات والقانون والسياسة.

وحضر الندوة المخصصة لمكافحة التحريض على الكراهية والعنف بسبب الدين كل من إياد أمين مدني، الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي ورئيس مجلس حقوق الإنسان السفير يواخيم روكر والأمين العام لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وفيصل بن عبدالرحمن بن معمر رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، والأكاديمي إبراهيم صالح النعيمي.

وفي كلمته شدد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، على أنه بات من اللازم على الجميع بمختلف المستويات معالجة موضوع مكافحة التحريض على الكراهية والتمييز والعنف بسبب الدين والمعتقد والذي أضحى مظهرا من مظاهر العنصرية، بما في ذلك الموضوع الذي يثير لغطا كبيرا والمتعلق بالحد الفاصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية.

وقال إنه “مع تنامي اتجاهات الهجرة التي غيّرت البنية الاجتماعية والثقافية لغالبية البلدان، أصبح التمييز بسبب العرق وإخفاق التعددية الثقافية وصفة لانعدام الأمن وتأجيج النزاعات والتعصّب”.
مع تنامي الهجرة، تأجج التمييز بسبب العرق وأعلن إخفاق التعددية الثقافية ما سبب انعدام الأمن واستفحال التعصب

واستشهد مدني بما يرتكبه تنظيم داعش من أعمال تدمير وقتل مريع لغير المسلمين، والمعاملة المروّعة التي يتعرض لها المسلمون الروهينغا في ميانمار، من تدنيس للكتب والأماكن المقدسة، وطباعة رسوم عبثية مسيئة للنبي محمد، مؤكدا على أنها عوامل أسفرت عن إشاعة ثقافة التمييز والعنف.

واعتبر الأمين العام قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 16-18 الإطار السياسي العالمي الأكثر توازنا وتركيزا والذي أقرته الأمم المتحدة لمكافحة التعصّب والتمييز والتحريض على الكراهية والعنف ضد الناس بسبب الدين أو المعتقد، مشيرا إلى أن القرار يعد فريدا من نوعه.

ومن جهته، حذر رئيس مجلس حقوق الإنسان السفير يواخيم روكر من أن تدور النقاشات دون الأخذ في الاعتبار ما يدور على الأرض، مؤكدا أن مكافحة التعصب يجب أن يقوم بها المجتمع برمته وأن يتم إشراك مؤسسات المجتمع المدني في التنفيذ. وقال “إن منظومة الأمم المتحدة يمكن أن تقدم إسهامات في تنفيذ القرار رقم 16-18، مع ضرورة وضع خارطة طريق لضمان التنفيذ السليم للقرار”.

بات من اللازم على الجميع بمختلف المستويات معالجة موضوع مكافحة التحريض على الكراهية والتمييز والعنف بسبب الدين والمعتقد

وقال الأمين العام لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات فيصل بن عبدالرحمن بن معمر، إن الاجتماع “يناقش قضية جوهرية تتمثل في كيفية المحافظة على حريتين متساويتي الأهمية: حرية اتباع الإنسان لما يمليه عليه ضميره وممارساته الدينية التي نشأ عليها، وحرية التعبير في الوقت ذاته”.

وأضاف أنه ينبغي على الجميع أن يدعو إلى الحوار بين أتباع الأديان، وأن تكون الأنظمة الحريصة على التسامح نواة للجهود المشتركة في محاربة التعصب المرتكب باسم الدين والسعي إلى مكافحة التفرقة والعنف، مطالبا بتوفير حلول سياسية لمعالجة أسباب التعصب وخطاب الكراهية، قائلا إن الحلول السياسية وحدها لا تكفي لبناء الثقة والتعاون بين أشخاص من أديان وثقافات مختلفة، حيث لا يتحقق ذلك إلا من خلال الحوار البناء بين الأفراد والجماعات.

وأشار بن معمر إلى أن بناء حوار بشكل فعال يحتاج لتقدير مساحة محايدة يتمكن عبرها الجانبان من البدء في فهم وجهة نظر بعضهما البعض، كما ينبغي أن يكون هناك لقاء مبنيا على أرضية مشتركة ومتكافئة بغية إنجاح هذا الحوار، إذ أن الانتقاد والإقصاء يساهمان في قتله.

وفي هذا الصدد، أوضح بن معمر أنه من هذا المنطلق يأتي دور مراكز البحوث العالمية مثل مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين أتباع الأديان.
بناء حوار بشكل فعال يحتاج لتقدير مساحة محايدة يتمكن عبرها الجانبان من البدء في فهم وجهة نظر بعضهما البعض

ويشهد الاجتماع الذي جرى في مدينة جدة ثلاث حلقات نقاش، تشمل الأولى معالجة مجالات التوتر المحتملة بين المجتمعات وتعزيز التفاهم والحوار، وذلك عبر تبادل وتداول أفضل الممارسات في ما يخص الاستراتيجيات التي توجب وضعها في هذا الشأن كذلك إنشاء وتواصل شبكات التعاون وتنفيذ المشاريع في مختلف المجالات الواردة في القرار 16-18.

ويتمحور موضوع حلقة النقاش الثانية حول مواجهة الدعوات المتتالية إلى الكراهية الدينية والتي تشكل تحريضا على التمييز والعدوان والعنف بين الأشخاص، وذلك بإيجاد تدابير إيجابية تتطرق إلى المجاهرة برفض أعمال الاستفزاز والقولبة النمطية والإساءة، وتعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات على مختلف المستويات.

أما حلقة النقاش الثالثة فيدور موضوعها حول ضرورة مواجهة الإساءة والقولبة الدينية السلبية للأشخاص والتحريض على الكراهية، من خلال اعتماد تدابير تجرّم التحريض على العنف الوشيك على أساس الدين أو المعتقد.

وقد خرجت هذه الورشات الثلاث في نهاية أعمالها ببيان ختامي صوّت فيه المشاركون على مزيد الاهتمام بقيادات الرأي العام الديني والسياسي في الوطن العربي والإسلامي وتدريبهم على التعاطي الإيجابي مع قضايا الاختلاف وحرية التدين والمعتقد والتفكير.

13