تدريس اللغة الروسية في سوريا.. يفضح تملق نظام الأسد للدب الروسي

الاثنين 2014/01/13
الحرب السورية سلبت حق الأطفال في التعليم

دمشق - على الرغم من عدم كبر أهميته العلمية والتربوية، إلا أن القرار الذي اتخذته الحكومة السورية بإدراج اللغة الروسية في المناهج التعليمية اعتباراً من السنة الدراسية المقبلة إلى جانب اللغة الإنكليزية، لم يمر مرور الكرام، وكان مصدر تندر وسخرية من السوريين المعارضين للنظام والذين تحولت نظرة غالبيتهم إلى روسيا من حليف استراتيجي مرحب به إلى شريك للنظام في حربه على الشعب، وقد التقت “العرب” ببعض الناشطين السوريين للتعليق على هذا القرار الذي كان محل استخفاف وسخرية، من قبل ناشطي المعارضة السورية، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.


تدريس اللغة الروسية


اتخذت وزارة التربية السورية قراراً بتدريس اللغة الروسية بدء من الصف السابع كلغة أجنبية ثانية إلى جانب الإنكليزية أو الفرنسية، وفور إعلانها ذلك بدأت التفسيرات السياسية لقرار الحكومة السورية من معارضي النظام، مصحوبة بانتقادات علنية واكبتها موجة من الاستهجان والسخرية في مواقع التواصل الاجتماعي، وصدرت كمية لافتة للنظر من التعليقات الهزلية المضحكة المقترنة بصور تناسب الخطوة الحكومية السورية.

وقد جزم أغلب المعلقين والمنتقدين بأن النظام السوري يحاول رشوة روسيا على المستوى الاجتماعي والتربوي كرد جميل على مواقفها الداعمة له منذ بدء الثورة وحتى اليوم، بعد أن قدّم لها رشوة اقتصادية بتوقيع عقود للتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية السورية في البحر الأبيض المتوسط، ورشوة سياسية بتحكّم روسيا في جزء من القرار السياسي السوري بملف الكيميائي، وربما رشوات أخرى لا يعرف عنها أحد شيئاً، وكل ذلك وفقاً لمعارضي النظام.

وقال ياسين، وهو صحفي سوري لـ “العرب” “يحاول النظام الضحك على روسيا ومسؤوليها، وهي ليست المرة الأولى التي تتصرف فيها السلطات السورية بهذا الاستخفاف، فحين زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف سوريا بعد عام على انطلاق الثورة، استقبله النظام السوري استقبالاً شعبياً وحشد الآلاف من مناصريه ليخرجوا إلى الشوارع لملاقاته كأي زعيم، وهذا تقليد لا يصح مع وزير خارجية، وهو محاولة للضحك على المسؤول الروسي وإقناعه بأنه محبوب في سوريا نتيجة مواقف بلاده، فإما أن النظام مستهتر إلى حد كسر كل الأعراف والأصول وإما أن الروس ساذجون ويمكن أن تنطلي عليهم الخديعة بسهولة”.

حاول وزير التربية السوري نفي التفسيرات السياسية لقرار الحكومة هذا، وقال إن القرار جاء نتيجة “حاجة تربوية”، وبرر الغاية من إدخال اللغة الروسية إلى المناهج السورية بالسعي إلى “توسيع مصادر المعرفة وتنوعها والتعرف على الآخر والاطلاع على ثقافته وحضارته”، وأعلن أنه مع انطلاق العام الدراسي القادم ستكون وزارته قد انتهت من جميع الاستعدادات لتعليم اللغة الروسية في عدد من مدارسها بدء من المناهج وصولاً إلى المعلمين والمعلمات، ونقلت عنه مواقع سورية أنه قال إن الوزارة ستستقدم لهذه الغاية نحو 450 معلمة روسية.

النظام السوري يحاول رشوة روسيا على المستوى الاجتماعي والتربوي كرد جميل على مواقفها الداعمة له منذ بدء الثورة وحتى اليوم


سخرية واستخفاف


وفي هذا السياق، قال عيسى، وهو ناشر سوري “أية ثقافة وأي مصادر معرفية يتحدث عنها الوزير، فالمصادر المعرفية المطبوعة مثلاً، العربية وغير العربية، كانت ومازالت تخضع للرقابة ويتم التعامل معها كأية سلعة تجارية، عليها رسوم وضرائب، ويتم التعامل معها كأية سلعة غير مرغوب فيها، فضلاً عن أن السوريين لم يعودوا يقتنعون باللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية كوسيلة داعمة في الحياة حتى تُقنعهم الروسية!”.

أما حسان، الذي درس الطب في فرنسا، فعلق قائلا “علينا أن نكون سعداء بقرار الحكومة اعتماد تدريس الروسية، فستأتي معلمات روسيات، شقراوات وبيضاوات، وسيُقبل أولادنا على المدارس، وعلى المحتج أن يتخيل أن الحكومة كان يمكن أن تتخذ قراراً بفرض اللغة الفارسية على المدارس، عندها لن نرى إلا رجال دين من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من طهران وقم وأصفهان، بوجوه عابسة ونوايا مبيتة، وسيهرب أولادنا من المدارس».

لكن في واقع الحال لن يأتي أحد من روسيا ليدرّس اللغة في سوريا مهما كانت المغريات كبيرة، ولن تقبل الحكومة الروسية بإرسال أحد ما لم تستقر الأوضاع، خاصة وأن روسيا نفسها طالبت قبل أكثر من عام من جميع رعاياها مغادرة سوريا فوراً بمن فيهم الروسيات المتزوجات من سوريين، وهن نحو خمسة آلاف سيدة، وسحبت غالبية خبرائها في قاعدة طرطوس البحرية المخصصة لصيانة وتموين السفن الروسية، وأعادت القسم الأكبر من خبرائها العسكريين من سوريا إلى بلدهم الأصلي، والذين يقدّر عددهم بعدة آلاف من الخبراء، وأعلنت أن سوريا بلداً غير آمن للروس وأن الروس غير مرحب بهم في سوريا، رغم أن المعارضة السورية المسلحة لم تستهدف أي روسي، مدني أو عسكري، في سوريا.

وزير التربية السوري أشار إلى وجود ما يقارب من 50 بالمئة من أساتذة الجامعات السورية يتكلمون اللغة الروسية، لكن المعارضة السورية تقول إن غالبيتهم من حواشي النظام وأقارب المسؤولين والمحظوظين ممن درّستهم مؤسسات النظام مجاناً بروسيا وأعادتهم مدرسين في الجامعات أو مدراء بكافة المستويات في الدولة. كما أشارت مصادر في المعارضة السورية إلى وجود آلاف الضباط السوريين المتقاعدين أو في الخدمة المتزوجين من روسيات أو درسوا في روسيا علومهم العسكرية، وتؤكد أن جلهم يقود الآن حرب النظام الطاحنة ضد المطالبين بإسقاطه.

وفي هذا السياق، يقول فهد، المحامي الذي تحوّل إلى مقاتل في إحدى الكتائب المسلحة في درعا جنوب سوريا “يعتقد الأسد أنه باق إلى الأبد، وأن ما يجري في سوريا لا يعنيه لأنه منتصر لا محالة، ويقوم بتوزيع ما يريد على من يريد، لكن الحقيقة أن كل ما أقره النظام منذ انطلاق الثورة لن يتم اعتماده، إن كانت الاتفاقيات الاقتصادية أو المعاهدات العسكرية والسياسية وغيرها ليست شرعية وستُلغى، ونحن لسنا بحاجة إلى لغات ميتة لنتعلمها، علينا تعليم أولادنا العربية أولاً بشكل جيد ومن ثم تعليمهم لغات حيّة مفيدة”.

وفيما تفكر الحكومة السورية باستقدام مدرّسات للغة الروسية، فإن المراصد الدولية تؤكد على أن الطلاب الذين يشكّلون بين 40 و70 بالمئة من طلاب سوريا لا يستطيعون الالتحاق بمدارسهم، خاصة في محافظات ريف دمشق وحلب ودرعا وإدلب وحمص والرقة ودير الزور وغيرها.

70 بالمئة من طلاب سورية لا يستطيعون الالتحاق بمدارسهم


تملق سوري لروسيا


ويؤكد مراقبون ومختصون أن السياسة التربوية السورية تحكمها في الكثير من الحالات مزاجية آنية، كما تحكمها السياسة لا الرؤية التربوية، ويشيرون في هذا الصدد إلى أنه عندما تحسّنت العلاقات بين سوريا وتركيا قررت سوريا فتح مراكز لتعليم اللغة التركية، سرعان ما أغلقتها بقرار سريع بعد أن ساءت العلاقة بين البلدين نتيجة الأحداث الحالية.

ويعتقد المراقبون أن مثل هذه القرارات التي تقوم بها الحكومة السورية لن تؤثر على موقف المسؤولين الروس، الخبراء في السياسة والمصالح والصفقات، لكنهم يرون أن روسيا التي أعلنت أكثر من مرة عن عدم تمسكها برأس النظام السوري، ستتنبه هذه المرة متأخرة، بعد أن قتلت الحرب السورية أكثر من 150 ألفاً وخلفت ملايين المتضررين من الحل العسكري للنظام، لأنها لم تستطع المحافظة على خمسين سنة من العلاقات بين شعبي البلدين وآثرت التمسك بدلاً من ذلك بآخر زعيم حليف لها في الشرق الأوسط.

6