تدشين دبلوماسية سينوفارم

النهج الإماراتي في التعامل مع الوباء يقوم على مبدأ تقوية الحكومات لمواجهة الفايروس حتى لا يدور الجميع في دائرة القلق والخوف من تحويراته الخطيرة والسريعة.
الجمعة 2021/04/02
"دبلوماسية اللقاح"

إطلاق مشروع مشترك بين مجموعة “جي 42” الإماراتية ومجموعة سينوفارم الصينية التي ستنتج 2 مليون جرعة لقاح شهريا، هو إعلان عن تدشين ما يمكن أن نطلق عليه اسم “دبلوماسية اللقاح” خاصة في ظل ما تشهده دول العالم من نقص في اللقاحات وتراجع دعم الدول الأوروبية للدول الفقيرة ماديًّا.

منذ البداية تعاملت دولة الإمارات، ومعها الصين، مع الجائحة باعتبارها أزمة تحتاج إلى تكاتف جميع الدول لمواجهتها وعملت على ذلك. في المقابل أصابت الأنانية آخرين وجدوا أن الأولوية لدولهم. هناك من أصابهم الارتباك ولم يقدروا على التعامل مع الأزمة والخروج منها بفرص، في حين أن الصين سارعت إلى إرسال فرقها الطبية لمساعدة دول العالم وخاصة الأوروبية. وأثمر هذا الفهم الخاص لأهمية التعاون مع المجتمع الدولي في الاتفاق على إنتاج لقاح سينوفارم وأجريت التجارب الأولية في البلدين إلى أن تم اعتماده دوليّا.

اليوم ومن خلال هذا المشروع التعاوني تؤكد الدولتان على مساعيهما لخدمة الإنسانية من خلال التكثيف في إنتاج اللقاح من أجل عودة الحياة إلى طبيعتها خاصة بعدما بدأت الجائحة بالتحور وظهور سلالات جديدة زادت من المخاوف.

المشروع الإماراتي - الصيني الجديد أعاد إحياء الأخلاق الإنسانية في السياسات الدولية، بعدما اعتمدت الدول في الحصول على اللقاح على النفوذ السياسي والثراء المادي. وقد وصل الأمر إلى حد نشوب خلاف بين بريطانيا وشركائها السابقين في الاتحاد الأوروبي وليس مع الدول الفقيرة في العالم، مما أشعر الرأي العام العالمي بأن هناك نوعًا من الإحباط في إمكانية “عدالة التوزيع” وأن التكاتف الذي شهده العالم خلال الأزمة لم يعد كما كان، وأصبح العالم مشغولاً بخلافات الحصول على اللقاح بدل التركيز على مواجهة سلالات الفايروس.

الإمارات حددت مسارها منذ بداية الأزمة بأن خطت نهجًا يقوم على خدمة الإنسانية وهو جزء أساسي في إرثها السياسي ومبدأ رئيسي في سياستها الخارجية، ومواقفها في هذه الأزمة يدركها الجميع بدءًا من المكالمات التلفونية التي كان يجريها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي مع قادة العالم للاطمئنان على شعوبهم، وإرسال شحنات من المساعدات الطبية إلى أغلب دول العالم.

أما الصين فهي دولة عظمى لديها مشاريعها وخططها لمنافسة الولايات المتحدة وروسيا، فهي تجيد فن استغلال انشغالات منافسيها عن مسؤوليتهم الدولية في إطلاق دبلوماسياتها المتنوعة التي بدأتها بدبلوماسية البينغ بونغ في السبعينات لتكون هذه المرة دبلوماسية اللقاح في توسعة دورها الدولي وإقناع العالم بأن أهداف سياستها الخارجية تختلف عما يطرحه الآخرون، وبالتالي تعزيز دورها الدولي الذي ينتقل من الصناعة الصينية إلى المساعدات الطبية والآن الحديث عن اتفاقيات التطعيم واللقاحات.

النهج الإماراتي في التعامل مع هذا الوباء هو الأفضل لأنه يقوم على مبدأ تحقيق الوقاية وتقوية الحكومات لمواجهة الفايروس. وحتى لا يدور العالم في دائرة القلق من تحويراته الخطيرة، يجب أن يعلم الجميع أن اللقاح هو الأمل الوحيد في التغلب على الجائحة. ولكن بمراجعة المواقف السياسية للدول الكبرى المنتجة للقاحات نكتشف شيئا من التجارة ومن السياسة، كما في النشاط الدبلوماسي الصيني، فهو مدخل مناسب لاختراق مناطق نفوذ الولايات المتحدة خاصة أوروبا، لذا قد تدمج الصين تحركاتها الدبلوماسية التي يقوم بها وزير خارجيتها وانغ يي بين التجارة واللقاح، وربما بدأت مع إيران التي وقعت معها اتفاقية مدتها 25 عاما.

وبينما يتردد اسم اللقاحات الصينية باعتبارها هدايا لعدد من دول العالم ما زال تركيز اللقاحات الأميركية مقتصرا على الولايات المتحدة، وكأن الأمر يشير إلى الحالة السياسية للدولتين العظميين؛ السياسة الأميركية نحو التراجع، بينما الصين تسير نحو مد نفوذها إلى الخارج.

Thumbnail
8