تدفقات الأموال الساخنة تبتز النظام المصرفي المصري

القاهرة تدفع فوائد مجحفة خشية هروب الأموال الأجنبية، والشركات عاجزة عن الاقتراض لتمويل المشاريع الجديدة.
الخميس 2018/08/30
تدفقات الأموال الساخنة.. جدار من ورق

تجد الحكومة المصرية نفسها في مأزق صعب بين استمرار نزيف الفوائد المرتفعة التي تجنيها الاستثمارات الأجنبية في السندات الحكومية والتي تصل لمستويات فلكية عند نحو 20 بالمئة وبين تداعيات رحيل تلك الأموال إذا ما تم خفض أسعار الفائدة.

القاهرة - تصاعدت التحذيرات من إدمان النظام المصرفي المصري على تدفقات الأموال الأجنبية الساخنة التي تستثمر في أدوات الدين السيادية بسبب العوائد المرتفعة التي تحققها رغم استقرار سعر صرف الجنيه منذ أكثر من عام تحت 18 جنيها للدولار.

يأتي ذلك في وقت تشهد فيه الأسواق الناشئة موجة تخارج للمستثمرين الأجانب وسط تباين الأسباب والتأثيرات، خاصة في ظل اضطراب الأوضاع الاقتصادية العالمية، بسبب الحروب التجارية بين الولايات المتحدة وأكبر الكتل التجارية في العالم.

وتقول وكالة فيتش للتصنيف الائتماني إن 5 مليارات دولار خرجت من مصر منذ مايو الماضي، رغم العوائد الكبيرة التي تحققها والتي تصل إلى 20 بالمئة وتمثل استنزافا بعيد المدى للأوضاع المالية في البلاد التي تعاني من أزمة اقتصادية.

ومن المرجح أن يتزايد نزوح تلك الأموال إذا ما تم خفض أسعار الفائدة، التي تقيد مستوياتها المرتفعة حاليا قدرة الشركات المحلية على الاقتراض لتمويل المشاريع الجديدة وتوفير فرص العمل.

معهد التمويل الدولي: الأموال الساخنة الباحثة عن الفوائد المرتفعة تجعل الدول أكثر عرضة للمخاطر
معهد التمويل الدولي: الأموال الساخنة الباحثة عن الفوائد المرتفعة تجعل الدول أكثر عرضة للمخاطر

ويحذر خبراء الاقتصاد من “خطورة” استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية، لأنها مرشحة للرحيل عند أية توترات أو أي حاجة للسيولة من جانب المستثمرين الأجانب.

وساهم قرار البنك المركزي بتحرير سعر صرف العملة المحلية قبل عامين، والذي أدى لفقدان الجنيه لنصف قيمته، في إنعاش التدفقات الأجنبية على السندات وأذون الخزانة الحكومية.

ويرى محللون أن القاهرة تنظر إلى المكاسب في الأجل القصير، لكنها تغفل العواقب الخطرة للفوائد الكبيرة التي تستنزفها تلك التدفقات حين ترحل عن البلاد في نهاية المطاف.

وتشير بيانات رسمية إلى أن استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية تراجعت في نهاية يونيو إلى 17.5 مليار دولار بعد أن كانت تصل إلى أكثر من 23 مليار دولار في نهاية مارس الماضي. يذكر أن تلك الاستثمارات كانت تزيد على 30 مليار دولار في عام 2010.

ونسبت وكالة الأناضول إلى الخبيرة الاقتصادية المصرية هدى سعيد إشارتها إلى أسباب محلية وخارجية تقف وراء تخارج استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية، التي تراجعت جاذبيتها بعد خفض لأسعار الفائدة في وقت سابق من العام الحالي.

وكان البنك المركزي قد خفض أسعار الفائدة مرتين هذا العام، آخرها في مارس الماضي لتصل إلى 16.75 بالمئة للإيداع و17.75 بالمئة للإقراض.

وتشير سعيد إلى أن الأسباب الخارجية تشمل الحروب التجارية الأميركية، وترجيح استمرار رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي (المركزي الأميركي) لأسعار الفائدة لمرة أو اثنتين في وقت لاحق من العام الجاري.

ورغم تثبيت أسعار الفائدة منذ أبريل الماضي في مستويات لا تزال مرتفعة جدا، لكن سعيد ترى أن رفع الفائدة الأميركية يزيد توجه المستثمرين نحو السوق الأميركية، والتخارج من شراء أدوات الدين في الأسواق الناشئة.

وأشارت إلى أن طرح الأرجنتين لأدوات دين بعوائد تزيد على 40 بالمئة ساهم في زيادة تخارج الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المصرية، خاصة من قبل الأموال الساخنة، التي تدخل وتخرج بسرعة في إطار مطاردتها لأعلى العوائد الممكنة في العالم.

ويتوقع أستاذ الاستثمار والتمويل محمد حلمي استمرار خروج استثمارات الأجانب من أدوات الدين المصرية، خاصة في حال عدم إقدام المركزي على رفع الفائدة مجددا.

17.5 مليار دولار استثمارات الأجانب في السندات المصرية بنهاية يونيو مقابل 23 مليارا في مارس

وكان المركزي قد رفع أسعار الفائدة بنسبة 7 بالمئة على 3 مراحل منذ تعويم الجنيه إلى 18.75 بالمئة للإيداع و19.75 بالمئة للإقراض، لكبح التضخم ودعم القدرة الشرائية للجنيه، قبل أن يخفضها بنسبة 2 بالمئة على مرحلتين.

ورجح حلمي أن يؤدي تخارج المستثمرين إلى انخفاض الجنيه أمام الدولار في الفترة المقبلة، في حال عدم نجاح الحكومة المصرية بجذب تدفقات مالية وفيرة من الخارج.

وتقول وكالة فيتش في بيان صدر مؤخرا، إن الجنيه شهد استقرارا أمام الدولار بمتوسط 17.5 جنيه لدولار منذ مطلع العام الحالي. وأشارت إلى أن الجنيه انخفض بنحو 1.3 بالمئة بين مايو ويوليو ليصل إلى 17.90 جنيه للدولار وهو ما يشير إلى درجة من المرونة.

ويردد المسؤولون المصريون تصريحات ترجح بقاء استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية في البلاد، بفضل تحسن بيانات الائتمان والسيولة العالمية المتصاعدة.

وذكر تقرير صدر مؤخرا عن معهد التمويل الدولي في واشنطن أن أسواق مصر وجنوب أفريقيا وإندونيسيا ولبنان وكولومبيا تقع جميعها في منطقة الخطر بفعل التدفقات النقدية التي دخلت تلك الدول في فترة زمنية قصيرة، والمرشحة لمغادرة تلك البلدان.

وأكد أن الأموال الساخنة التي ضخها مستثمرون باحثون عن الفوائد المرتفعة خلال فترة زمنية وجيزة، تجعل تلك الدول أكثر عرضة للمخاطر التي تحيط بالأسواق الناشئة.

11