"تدفق الفضائيين".. غزوات خارجية يعجز الإنسان عن مواجهتها

دوامة لا تنتهي من العنف والقتل ومزج بين الخيال العلمي والرعب.
الاثنين 2020/02/17
صراعات غير متكافئة

أن تتهدّد الأرض وسكانها بكائنات غريبة لا أحد يعلم مصدرها سوى أنها تستهدف البشر وتسعى إلى إيذائهم، تلك ثيمة خيالية لطالما انشغل بها أدب وسينما الخيال العلمي على السواء. وهو ما يقترحه المخرج البريطاني نيل راو في فيلمه الجديد “تدفق الفضائيين” مازجا الخيال العلمي بالرعب والجريمة.

إشكالية الكائنات الفضائية الغازية في سينما الخيال العلمي كانت كافية لتأسيس صراع غير متكافئ غالبا وبطولات فردية ومواجهات وعنف. خلال ذلك اتسعت مساحة الخيال العلمي لتندمج مع فكرة الرعب التي يمكن أن تصبح علامة فارقة أخرى في هذا النوع من الدراما.

وظاهرة إدماج فكرة العنف في أفلام الخيال العلمي، طالما لجأ إليها بعض المخرجين من أجل المزيد من الاستقطاب وتقديم ما يثير اهتمام الجمهور العريض.

في فيلم للمخرج البريطاني نيل راو سوف نبدأ مع انتقال ضابطة الشرطة زوي (الممثلة كاثرين دارك) للعيش والعمل من كندا إلى بريطانيا، لتشتغل في إحدى الضواحي البريطانية حيث ستعيش أوقاتا عصيبة.

وخلال قيامها بأعمال في الدورية تكتشف شخصيات في حالة فوضى غريبة، وسرعان ما يطلقون على أنفسهم الرصاص منتحرين بعد أن تنتابهم حالات هيجان وهستيريا ونزعة عدوانية.

لكن زوي وهي تتصدّى للحالة، تكتشف أن هناك وضعا غير مسيطر عليه في ما يشبه الوباء الذي يعصف بالأبرياء. وتجد نفسها في عزلة وسط أمواج من الذين تأثروا بالوباء.

وخلال التحاق زميلها فريدي (الممثل أيان راو) يبدأ تدفّق الفضائيين -كائنات روبوتية بأذرع تشبه تلك التي لدى العناكب- وهم يطوّقون المكان، ولديهم قدرة فائقة على الحركة السريعة وتطويق البشر ومن ثم التسبب في نقل الوباء.

إلى هنا سوف نلحظ أن الأزمة التي وجد الشرطيان نفسيهما في وسطها تستدعي المزيد من البطولة الفردية عند المواجهة، وفي اكتشاف تبعات تلك الكارثة، ولهذا يتنقلان في أماكن عدة من بيوت وحانات ومزارع وهما ملاحقان بتلك الكائنات المتوحشة.

واقعيا، وفي مثل تلك المواجهات يتم إيجاد وسائل مواجهة تقترب من التكافؤ بين طرفي الصراع، خاصة أن أعداد الفضائيين كانت تتزايد بتتابع المشاهد والأفلام ومسارات الأحداث.

الفيلم رغم مزجه بين الخيال العلمي والرعب، إلّا أنه لم يوفّق في ابتكار صراعات غير متوقعة

في المقابل، أتاحت الانتقالات المكانية تصوير أغلب المشاهد الفيلمية بأقل قدر من التكاليف الإنتاجية، لاسيما وأننا أمام شخصية البطل الواحد الذي يحاول الخروج من الأزمة بأيّ طريقة ممكنة.

وفي إطار بناء المكان، نلاحظ أن المشاهد تم بناؤها في سياق أفلام الرعب القائمة على عنصر الترقب والمفاجأة، وفي ممرات طويلة وطبقات متعددة من المباني فيما كان الشرطيان يتعقبان خصومهما.

وخلال ذلك، تم استخدام عنصر الإضاءة والغرافيك الصوري لتعميق الأزمة التي واجهتها الشخصيات وهي تتخبط في وسط أزماتها المتلاحقة. وكذلك تم استخدام حركات الكاميرا على وفق تتابع المشاهد المتسارعة التي كانت الشخصيات تخوض فيها صراعا مصيريا.

على أننا، وبالتوازي مع ذلك، سنلحظ تنويعا مكانيا لجهة الخروج من الأماكن المغلقة والتصوير الداخلي إلى الساحات والحقول، حيث تقع المطاردة نفسها. لكن ذلك الانكشاف الخارجي لم يخدم بناء المشاهد بالشكل الكافي، إذ أظهر التباين بين قدرات الطرفين المتحاربين.

وأما على صعيد إظهار القدرات الشخصية في المواجهة، فقد أراد المخرج أن تكون الشرطية زوي هي التي تقود الأحداث، وهي التي تصنع المفاجآت وتحقّق الانتصارات.

لكن كل ذلك كان مجرد تمنيات على الرغم من أنه من أبجديات فيلم من هذا النوع، إذ لم تنجح في أداء دور مقنع ولا مؤثر، بل عجزت عن مجاراة خصومها في المواجهة مكتفية بإطلاق الرصاص يمينا وشمالا. مع العلم أن الرصاص لا يؤثر كثيرا ولا يقتل تلك الكائنات، كما تتخيّل هي.

شخصية زوي بدت كمن زجّ شرطيا متدربا في وسط دوامة من العنف والقتل، الأمر الذي يجعله عاجزا أمامها، لاسيما وأن هناك تراكما في هذا النوع من الأفلام عبر مسار سينما الخيال العلمي، إلّا أن المخرج أظهر تلك الشرطية وقد أطلقت شعرها وبدت تعابير وجهها جامدة وغير متفاعلة، لتضاف إلى حركتها المحدودة التي لم تتناسب مع تسارع الأحداث.

في مواجهة أخرى أراد من خلالها المخرج أن يصعد في الدراما الفيلمية، أوجد مشاهد في القطار الذي تعرّض ركابه للهجوم نفسه من قبل الفضائيين. لكن الغريب أن أولئك الركاب بدوا وكأنهم أموات، حالهم حال من تعرضوا للهجوم من قبلهم، لكننا سوف نكتشف أنهم نيام وسوف يستيقظون.

هنا استعار المخرج نيل راو شيئا من أفلام الزومبي، ولكن مع تغيير طفيف وذلك من خلال إقدام من يتعرضون للهجوم على الانتحار، وهو ما تكرّر في العديد من المشاهد. على أن الوصول في هذا الصراع إلى نهاياته كان يتطلب تحوّلا دراميا قويا يقلب الموازين. لكننا في مشاهد المواجهة سوف لن نجد الكثير ممّا يفترض أن يكون وممّا ينتظره المشاهد.

واقعيا إن المعالجات السينمائية التي تمزج ما بين الخيال العلمي والرعب والجريمة تمتلك الكثير من عناصر المفاجأة والتحوّلات. فضلا عن إظهار البطولات الفردية، وهو ما يدفع إلى إيجاد أحداث وحبكات ثانوية وابتكار صراعات غير متوقعة، إلّا أن المسار الخطي للأحداث في فيلم “تدفق الفضائيين” لم يتح الكثير من تلك التحوّلات المطلوبة.

16