تدفق المعلومات الحر لا يعني حرية أكبر للصحافة

ما تزال الصحافة في جميع أنحاء العالم تعاني من جملة قيود وضغوط كلما تزايدت أهمية الملفات الشائكة التي تتطرق لها، ورغم الكم الهائل من المعلومات الذي أتيح للجمهور بفضل التقنية، إلا أن حكومات كثيرة وجدت طرقا لمحاصرة الصحافيين وتكبيل حريتهم.
الأربعاء 2017/11/08
الصحافيون يدفعون كلفة الحقيقة

باريس - بعد أن تزايد وصول الأفراد حول العالم إلى المعلومات ومصادرها، بشكل أكبر من أي وقت سابق، كان من المفترض أن تبلغ الصحافة درجات عالية من الحرية والتقدير، لكن الواقع يشير إلى أن الصحافة تتواجد في مرمى النيران في مختلف أنحاء العالم. بحسب ما ذكرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.

وأفاد تقرير اليونسكو “للاتجاهات العالمية على صعيد حرية التعبير وتطوير وسائل الإعلام 2017-2018”، أن تضافر الاستقطاب السياسي والتغير التكنولوجي قد سهل الانتشار السريع لخطاب الكراهية وكره النساء و”الأخبار المزّيفة” غير المتحقّق منها، بما يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإفراط في تقييد حرية التعبير.

ويشير التقرير إلى تعرّض الصحافيين لاعتداءات جسدية ولفظية في عدد ‏متزايد‎ ‏من‎ ‏البلدان‎، مما يهدّد قدرتهم على نقل الأنباء والمعلومات إلى الجمهور.

ويغطي التقرير الفترة الممتدة من عام 2012 إلى عام 2017، ويركّز بوجه خاص على المساواة بين الجنسين في وسائل الإعلام، كما يوفر رؤية عالمية لفهم تغير المشهد العالمي في مجال وسائل الإعلام.

وأشار في ما يتعلق بالتعددية في وسائل الإعلام، يظل تمثيل النساء متدنيا، إذ يقتصر تمثيلهن على ربع أصحاب القرار وثلث المراسلين الصحافيين وخمس الخبراء الذي تجرى معهم مقابلات صحافية. وقد انخفض توزيع الصحف المطبوعة في كل المناطق باستثناء آسيا والمحيط الهادئ.

بينما أشار التقرير في مجال حرية وسائل الإعلام، إلى ازدياد الاعتراف بحق الجمهور في الحصول على المعلومات، في البلدان التي لديها قوانين تكفل حرية تداول المعلومات، ووثق استمرار القيود القانونية، ومنها التشهير والقذف والتجديف وإهانة الذات الملكية، وأيضا زيادة عدد حالات حجب وفرز ووقف خدمة الإنترنت. كما أدت المخاوف الأمنية وقوانين مكافحة الإرهاب إلى الحد من حرية التعبير.

وأسهمت الخوارزميات (اللوغاريتمات) المستخدمة في ترتيب نتائج البحث وعرضها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في نشوء ما يعرف بـ”غرف الصدى” و”فقاعات الترشيح” التي يجري فيها ترسيخ معتقدات الناس عوضا عن إقامة حوار في ما بين أصحاب الآراء المختلفة.

زيادة انتقاد الشخصيات السياسية لوسائل الإعلام يشجع الرقابة الذاتية ويقوض من مصداقية الإعلام في العالم

وأجرى الباحثون في فيسبوك وجامعة ميشيغان بحثًا عن كثب مستعينين ببيانات 10.1 مليون مستخدم نشط على فيسبوك في الولايات المتحدة لمدة ستة أشهر، بعد تجريد البيانات من المعلومات الشخصية، حول مستخدمي فيسبوك ضمن “غرف الصدى” حيث يتلقون المعلومات من الأشخاص الذين يماثلوهم في التفكير فقط، وكيف تحد خوارزمية فيسبوك “فقاعات ترشيح” من تعرض المستخدمين للأفكار الصعبة والمعارضة.

وأفاد الباحثون بأن الخيارات الفردية- أو ما اختار مستخدمو فيسبوك النقر عليه وقراءته- لعب دورا كبيرا في الحدّ من تعرض المستخدم لقصص إخبارية متباينة.

ولاحظ تقرير اليونسكو في ما يخص مجال استقلال وسائل الإعلام، أن زيادة انتقاد الشخصيات السياسية لوسائل الإعلام يشجع الرقابة الذاتية ويقوّض من مصداقية الإعلام. فيما لا يزال منح تراخيص البث الإذاعي قائما على المصالح السياسية والتجارية. أما في البلدان التي تمر بأوضاع ما بعد النزاعات وفي البلدان النامية فقد ازداد عدد هيئات التنظيم الذاتي، التي تستطيع دعم تطبيق المعايير المهنية والحفاظ في الوقت نفسه على الاستقلالية التحريرية. كما لوحظ انخفاض الثقة في وسائل الإعلام في بعض المناطق حول العالم.

وذكر التقرير في مجال السلامة، مقتل 530 صحافيا حول العالم بين عامي 2012 و2016، من بينهم 191 في المنطقة العربية، تليها دول أميركا اللاتينية بمعدل 125 صحافيا. في حين تفلت من العقاب 90 بالمئة من الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين.

وذكرت منظمة اليونسكو أنّ 90 بالمئة من حالات قتل الصحافيين تبقى دون عقاب، وفقاً للمعلومات التي قدمتها الدول الأعضاء للمنظمة في عام 2017.

وقالت إن هذه النسبة تدلّ على تحسّن طفيف مقارنة بالعام الماضي حيث أظهرت المعلومات التي قدمتها الدول الأعضاء في إطار التحقيقات المكتوبة لليونسكو صدور أحكام في 8 بالمئة فقط من هذه الحالات. وصرّحت المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا في اليوم ‏الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين “‏تمثّل العدالة حجر أساس في المجتمعات الحرة. فهي تردع كل من يهدّد حرية التعبير وتشدّ أزر كل من يدافع عنها. لذلك، تدفع كل المجتمعات ثمنا باهظا من جراء الظلم الذي يتعرض له الصحافيون”.

وذكرت اليونسكو أنّ نسبة الضحايا من الصحافيات ارتفعت من 5 بالمئة عام 2006 إلى 10 بالمئة عام 2016، كما تواجه النساء تهديدات مثل المضايقات عبر الإنترنت.

كما حذّرت من تنامي عدد المواقع الإلكترونية، التي حجبتها حكومات على مستوى العالم منذ مطلع العام الماضي وحتى الآن قائلة إن عدد حالات حجب المواقع الإلكترونية على مستوى العالم وصل خلال الأشهر الماضية من العام الحالي فقط إلى 61 حالة، أي ما يعادل ثلاثة أمثال ما كان عليه قبل عامين.

وحسب المنظمة، فقد بلغ عدد حالات غلق حكومات لمواقع إلكترونية منذ بداية العام الماضي وحتى الآن 116 حالة، وكانت أغلب هذه الحالات في آسيا، نحو 54 حالة في الهند و11 حالة في باكستان.

وفي رسالة بمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، دعا الأمين العام لمنظمّة الأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس إلى تطبيق العدالة “إكراما لذكرى جميع الصحافيين الذين قتلوا، واعترافا بأهمية وسائط الإعلام الحرة والمستقلة في النهوض بالتنمية والسلام”.

18