تدليس عدنان العرعور وتلبيس محمد النجيمي

الثلاثاء 2014/02/04

شاءت الأقدار، لحسن حظي أو سوئه، أن أشارك بمداخلة تلفزيونية عن الجهاد في سوريا مع واعظين معروفين جيدا لدى السعوديين والخليجيين، أحدهما السوري عدنان العرعور والثاني السعودي محمد النجيمي، وكلاهما من نجوم التلفزيون الكبار في عصر نجومية بعض الدعاة، الذين يتزاحمون على الأضواء ويتسابقون إلى صفوف الجماهير التي يزيد تصفيقها وصفيرها كلما تغول هذا أو ذاك في أفكار الآخرين ولحومهم ووطنيتهم واستقلالية قراراتهم.

ومن ذلك ما حدث بعد تلك المداخلة من هجوم كاسح على شخصي الضعيف، لأنني قلت إن من حقنا في المملكة العربية السعودية أن نخاف على صغارنا وأطفالنا من مغبة تحريضهم ودفعهم إلى محرقة الشام. وأن العرعور الذي يهدد بإعلان النفير إذا استدعى الأمر يجب أن يعلن هذا النفير من سوريا وليس السعودية، التي نعرف جميعا الثمن البشري الباهظ الذي دفعه أبناؤها من جراء وقوعهم بين مخالب شيوخ الفتنة الذين يرسلونهم كل حين إلى القبور، بينما هم يتنعمون برغد العيش ونعيم الدنيا مع أولادهم.

قلت، أيضا، وهذا ما امتقع له وجه النجيمي، إنني كتبت مقالة في “العرب” في نفس يوم المداخلة أصف فيها يوسف القرضاوي بأنه إمام الفتنة الأكبر. وما أزال على قناعة تامة بهذا الوصف إذ ليس للفتنة وجه آخر غير الوجه الذي نراه ونسمعه من منبر القرضاوي في قطر، وهو يحرض على بلده مصر وأهلها ويهدد النسيج الخليجي الواحد، ويسيء لدول الخليج عيانا بيانا بأسمائها.

ولم أكن، وأنا أسرد وجهة نظري، مضطرا إلى التردد لحظة واحدة عن المطالبة السعوديين أن يواصلوا جهادهم الحقيقي ضد هؤلاء الخارجين على شروط الجهاد المعتبرة عند العلماء الكبار في السعودية وفي غير السعودية.

وأول هذه الشروط أن يكون لواء الجهاد معقودا ومنظما بإذن ولي الأمر وأن يكون خروج المجاهد بإذن والديه، اللذين يحدث الآن أنهما لا يعلمان أين يكون ابنهما أو ماذا حل به إلا بعد أن يتفاجآ باتصاله من أرض (فوضى الجهاد) بعد أن يرتب له مسوّقو الفتنة هذا الاتصال الذي يباغت الجميع ويفجع أهله عليه وعلى مصيره.

وفي ما يبدو أنه شكّل لهما مفاجأة قاسية ذهب الإثنان، العرعور والنجيمي، وهما يقاطعان ويعلقان على مداخلتي، إلى التدليس والتلبيس على الناس الذين يتابعون ذلك البرنامج التلفزيوني متأثرين ومتحفزين، بعد أن حركت حلقات (الثامنة) للمذيع داود الشريان في تلفزيون إم بي سي المياه السعودية الراكدة، وأشارت بأصابع الاتهام عن فوضى جهاد السعوديين في سوريا إلى أسماء بعينها، كان من بينها أو على رأسها كبيرهم عدنان العرعور.

ومن أمثلة هذا التدليس والتلبيس أنني كنت أنقل لهما وللمشاهدين فتوى فضيلة الشيخ صالح الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة، بأن النصرة (للسوريين) تكون بما يستطاع من الدعاء ومن التوجيه والنصيحة، وأن الذهاب للجهاد لا يتم إلا بإذن الإمام.

وقال أيضا في تلك الفتوى إن الفوضى لا تجوز في مثل هذه الأمور، مذكرا بما حصل في الماضي من الخلل من طرف الذين ذهبوا إلى الجهاد وحصل ما حصل من تغيّر في أفكارهم وما حصل من الشرور والعواقب السيئة.

وهنا انبرى العرعور من جديد ليدلس على المشاهدين حين قال إنه مقتنع بفتوى الشيخ صالح الفوزان مبنى ومعنى، أي أنه بالنتيجة يتبع ما جاء فيها من ضرورة اقتصار نصرة السوريين على الدعاء والنصيحة والتقيد بعدم الذهاب للجهاد إلا بإذن ولي الأمر.

ومدار التدليس هو كيف تتسق قناعته بهذه الفتوى مع ما قاله في بداية الحلقة من أنه سيعلن النفير للجهاد إذا لزم الأمر! فهو إذن، وهذا التعبير أستعيره منه، يخلط عباس على دباس أكثر من خلطي أنا، لأنه، في ما نعلم، ليس إماما للمسلمين وليس ولي أمرهم حتى يعلن النفير إذا لزم الأمر. وبالتالي فإن إعلانه النفير دون سلطان بَيّن يعني إحداث فوضى قتالية عارمة ويعني أرواحا كثيرة تزهق، لتكون الحال أسوأ وأدهى مما هي عليه الآن!

كذلك فإن من أدلة تدليسه دفاعه المستميت عن نفسه بأنه لم يدع الشباب إلى الجهاد إلى سوريا في يوم من الأيام وليس لدى من اتهمه أدلة على هذا الاتهام، مع أنه في الحلقة المشار إليها ذاتها، حين أبدى شفقته على الأمهات اللواتي يغشين مكتبه رجاء عودة أطفالهن إلى أحضانهن، طمأنهن بأن أبناءهن- إذا لم يعودوا- فإن نيتهم في الأصل نية خير وأنهم شهداء إن شاء الله.

وهذه، إذا كنا نفهم اللغة العربية ومدلولاتها، دعوة مبطنة إلى الجهاد، إذ ليس أغلى ولا أسمى من الشهادة لدى المسلم، فهل يظن العرعور أنه سرب دعوته إلى فوضى الجهاد دون أن نشعر بها؟وإذا كان هذا بعض ما يدل على تدليس عدنان العرعور فما الذي يدل على تلبيس محمد النجيمي؟

الحق أن النجيمي أستاذ في التهويش والتلبيس، فهو بدلا من أن يرد على وصفي لشيخه يوسف القرضاوي بأنه إمام الفتنة الأكبر ردا علميا مقنعا وحريا بالاحترام، التقط اسم صحيفة “العرب” التي أكتب بها وتناول تاريخها ويساريتها ظانا أنه يعلقني في ذلك بمشنقة اليسار.ودون الدخول في تفاصيل اليسار واليمين والوسط، وهي على كل حال تفاصيل بالية، فإن الموضوع كان موضوع صغارنا المغرر بهم في ساحات الجهاد المتفرقة في سوريا.

لكن هذه هي حال النجيمي حين يُضيّق عليه بالحجة والبرهان، فهو، وقد صدمته حقيقة أن القرضاوي يتربص بأهله في مصر الدوائر ويهدد أمن الخليج برمته، لم يكن أمامه إلا أن يلبس على المشاهدين ويأخذهم إلى ما يشتت أذهانهم عن موضوع النقاش الأصلي، مرة بالتلويح بيساريتي ومرة باتهامي بالكذب، مع أنني كنت أروي عن شيخه حقائق مسجلة وموثقة بالصوت والصورة.

وعلى هذا يكون ما خرجنا به من ذلك النقاش المحتدم، وما نخرج به من كثير من نقاشات التدليس والتلبيس التي تنتشر هذه الأيام كالنار في هشيم حياتنا، هو ضعف الحجة وتواضع المقدرة على الحوار. ذلك الحوار الذي أديره من طرفي لأصل مع مُحاوري إلى نقطة التقاء.

لكن فاقد أو ضعيف الحجة ليس بمقدوره سوى توجيه دفة الحديث إلى اتجاهات أخرى، أولها إلقاء التهم جزافا في وجه مُحاوره وثانيها وعاشرها العودة من مخرج مظلم آخر لينفذ أجندته.


كاتب سعودي

9