تدمر التي كان اسمها يخيفنا

الجمعة 2015/05/22

ربما لم تحظ مدينة عربية بهذا الحجم من الخوف والكراهية التي كانت مدينة تدمر قد حظيت به إبان سنوات حكم الرئيس السابق حافظ الأسد، فتدمر الشاهدة الأبدية على حضارة عربية قامت في هذا المكان قبل مئات السنين، وما زالت آثارها مهملة وسط الصحراء، بشارع الأعمدة، ومعبد بل، والكثير الكثير، هي أيضاً المدينة التي احتضنت واحدا من أسوأ السجون في العالم، والذي ارتبط اسمه بالمجازر التي ارتكبت فيه خلال ثمانينات القرن الماضي، والتي قد تكون استمرت إلى ما بعد ذلك، إلا أن المجزرة الأشهر التي وثقتها كتب المؤرخين هي تلك التي نفذت يوم 27 يونيو عام 1980 وقد اختلفت الأرقام فيما يخص عدد الضحايا الذين سقطوا في تلك المجزرة، وقد تكون بعض الأسماء ما زالت مجهولة حتى وقتنا الحالي، وما زال بعض الأهالي يحلمون أن يروا أبناءهم أحياء، وهم يرون المدينة تسقط بأكملها بيد تنظيم داعش الذي قطع المسافة من محافظة دير الزور إلى مدينة تدمر والتي تمتد على أزيد من مئتي كيلومتر دون أن يصادف في طريقه عسكرياً واحداً من قوات النظام يمنعه من الدخول، أو أن تشن الطائرات الحربية غارة واحدة على موكب مرتزقته الملثمين، أو أن تقوم إحدى المروحيات بإلقاء برميل متفجر كتلك التي تقوم بإلقائها كل يوم على كافة المناطق المأهولة بالسكان.

وإن كانت تدمر قد استنفرت مثل باقي المدن مشاعر السوريين وخشيتهم على آثارها من أن تمتد إليها الأيادي الداعشية تحطيماً وحرقاً كما حدث في مدن أخرى في سوريا والعراق، إلا أن الكثيرين انتظروا الأخبار الواردة من سجن تدمر الصحراوي، وترقبوا بشيء من الأمل أن يبصروا وجوه معتقلين تخرج من أقبية الظلام، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث، فقد سارع النظام إلى نقل المعتقلين إلى مكان مجهول، وكان حريصاً على بقائهم معتقلين لديه أكثر من حرصه على المدينة ومتحفها وآثارها، والتي كانت وسائل إعلامه قد بدأت موسم نواح مبكراً عليها، وحذرت العالم الحر من وقوع جزء من التراث الإنساني العالمي في يد برابرة العصر الحديث، وإن كان النظام قد حرص في جميع هزائمه السابقة على تصفية المعتقلين في فروعه الأمنية، وقد حدث هذا في إدلب، وفي دير الزور، فلماذا سارع إلى نقل معتقلي تدمر؟ ومن هم المعتقلون الذين لا يريد النظام أن يراهم العالم؟

في الحقيقة لا يستطيع أحد تقديم كشف بأسماء جميع معتقلي سجن تدمر على مدى عقود طويلة، لكن من شبه المؤكد أن ثمة معتقلين لبنانيين ما زالت أسرهم تقف حتى يومنا هذا وقفات احتجاجية للمطالبة بهم، وقد اختفى أبناؤهم إبان الاحتلال السوري للبنان، والذي انتهى في العام 2005 إلا أن مصير أبنائهم ما زال مجهولاً، وقد نفى النظام السوري مراراً وتكراراً أن يكون أولئك اللبنانيون معتقلين لديه، وفي ضوء الأنباء التي تشير إلى قرب إحالة ملف رأس النظام إلى المحكمة الدولية بعدما ثبت أنه متورط بشكل كامل في التخطيط لتفجيرات في الجار لبنان، ولا تستبعد جهة الادعاء اللبنانية أن يكون متورطاً في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري والعديد من الاغتيالات الأخرى، فإن خروج أولئك المعتقلين إلى النور قد يزيد الطين بلة، ويعقد ملفاته المعقدة أصلاً، ويؤدي بشكل أو بآخر إلى فقدانه أي فرصة لاقتراح فرضيات جديدة عن المؤامرة الدولية التي تحاك ضده، يضاف إلى ذلك أن عشرات الفلسطينيين اختفوا في سوريا طيلة السنوات الماضية ولم يعرف مصيرهم بعد.

فهل كان سجن تدمر خزان أسرار حرص النظام على عدم وقوعه في يد أحد، ولذلك عمل على إخفائه؟ ولكن هل يعمل تنظيم داعش أصلاً على فضح أسرار النظام أو الإطاحة به؟

كاتب سوري

9