تدمير الرقة بتهمة الإرهاب

السبت 2014/09/27

ابتدأت الحملة الجوية الدولية على الإرهاب، بدأت الطائرات تقصف مدينة الرقة السورية وحطمت في أولى طلعاتها برج هواء الاتصالات والبث التلفزيوني، الذي ظل أهل الرقة يطالبون ببنائه أكثر من عشر سنوات. وحتما تحطمت أشياء أخرى كثيرة، ستفرج عن حالتها الصور والأخبار اللاحقة.

تنتاب أهل الرقة، الباقون فيها والنازحون والمهاجرون منها، مشاعر متضاربة، أولاً مشاعر إيجابية تتلخص بأن الأمل صار كبيرا، بالخلاص من تنظيمات التطرف الديني والهوس التكفيري الذي خنق حياة أبنائها وتسبب بهجرانها، فالموت صار منتشراً فيها على الطرقات في ظل هذه التنظيمات، بقطع الرقاب الاستعراضي المهين للحياة البشرية والذي يتم نشره كنوع من الميديا الدينية الدعائية لجذب المزيد من المقاتلين المهاجرين، الذين ينضمون إلى صفوف هذه التنظيمات السوداء وهذه المناظر تنشر لأتباع ومؤيدي هذا الفكر التكفيري، في بشارة بأن القرن الهجري الأول قد عاد إلى الحياة وإلى التحكم بحياة الناس في القرن الهجري الخامس عشر، ونسوا أنهم يحملون الهواتف الذكية والأسلحة الغربية المتطورة، ويركبون سيارات تويوتا وهامفي، في تجاهل متعمد لكل أشكال الحضارة التي لا تخطؤها العين، رغم السواد الذي يصبغون به الشوارع والمباني للعودة بها إلى سالف الزمن وعتيق الحوادث التي لن تتمكن من العودة مهما كان الحماس لها.

والشعور الآخر، هو أن هذه الحرب الجديدة التي ابتدأت من سماء الرقة السورية، ربما لن تنتهي خلال أشهر ولا خلال سنوات، وبالتالي سيبقى النازحون والمهاجرون حيث رمتهم الحروب السابقة، والتي شنها عليهم النظام بطائراته ومدافعه التي لا تعرف الرحمة، والحروب التي شنتها عليهم أيضا بعض التنظيمات المارقة من الجيش الحر والتي كانت تعجّ بالانتهاكات وبالرغبة الجامحة للتدمير، حيث دُمِّرَت المدارس والمباني الحكومية ولوحقَت كل أشكال النظام والقانون، بحجة أن هذه المقومات هي رجس من بقايا النظام الذي كان حاكماً، ناهيك عن نهب البيوت بحجة أن أهلها كانوا من الشبيحة أو من كتّاب التقارير أو اتهامهم بأنهم من الخلايا النائمة التي تعمل لصالح النظام، وبالتالي لابد من نقل أثاث بيوتهم بأسرع وقت وتوزيعه أو بيعه قبل أن تطوى الصفحة التي كانوا حريصين على إبقائها مفتوحةً.

إنّ يوم 23 سبتمبر 2014 الذي اجتمعت فيه طائرات العالم في سماء الرقة وفي سماواتٍ سوريٍّة متعددةٍ، لن يكون يوماً عابراً، إنّه يوم بدءٍ لتدميرٍ جديد، وقد تتلوه ألوان أُخرى من التدمير القادم، فتحرير الرقة من التكفيريين، قد يعيد إليها شبيحة النظام الذين لن يكونوا أقلّ قسوة من الدواعش، أو من العصابات غير المنضبطة لأي قانون.

فالنظام لديه هدف محدد هو إرجاع المدينة لسيطرته ولشبيحته المتعطشين للانتقام، والتكفيريون لديهم هدف محدد وهو إخلاء المدينة من أهلها لجلب الجهاديين الأصوليين وبناء يوتوبيا دينية رأسها في التاريخ القديم وجسدها تتناهبه أمواج البثّ الفضائيّ وشبكات التواصل الاجتماعي.

أما المعارضة السورية فليس لديها قدرة السيطرة على الكثير من مقاتلي الجيش الحر، ولا على أمراء الحرب الذين يسنّون مشيئتهم وإرادتهم قانونا، ينقلون فيه الناس من هيمنة سابقة إلى هيمنة لاحقة، وقد تتلوها هيمنات أخرى لا ينتهي تدفقها على مدينة الرقة المنكوبة ولا على سوريا بأسرها.

العرس الحربي الذي تحتفل به الدول والائتلاف جاء بلا حل سياسي يحدد مستقبل سوريا، وبلا هدف يغير حياة الشعب السوري المنكوب، جاء فقط للقضاء على التنظيمات الإرهابية التي قد تنتقل إلى دول التحالف الدولي، ولا تكتفي بالبقاء في سوريا.

فالسوريون ليسوا على أجندة الحل، مهجروهم ومعتقلوهم وبيوتهم المهدمة وكلّ نكبتهم السياسية والإنسانية ليست على قائمة الأهداف الدولية، لا على قائمة الدول التي بدأت القصف، ولا على قائمة الدول المساندة للنظام كإيران وروسيا وغيرها من الدول التي تتحدى بعضها بلعبة الشطرنج السورية.


كاتب وروائي سوري

8