تدمير المنظومة التعليمية السورية يخلف أجيالا من الأميين

لم يكن التعليم بعيدا عن الضرر الذي طال كافة المرافق والخدمات الأساسيّة المقدمة للمجتمع، فبعد أن عرفت سوريا تقدما ملحوظا في مجال التعليم الأساسي، إذ بلغت نسبة الالتحاق فيها 97 بالمئة، بحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة، إلا أن هذه النسبة سجلت تدهورا شديدا في السنوات الخمس الماضية، حتى بات 3 ملايين طفل سوري بحاجة إلى تعليم، بحسب تقدير اليونسيف في العام 2013.
الثلاثاء 2016/05/24
تدمير المدارس يساوي تدمير المستقبل

تسببت المأساة السورية في تدمير المنظومة التعليمية القائمة لخدمة العنف المستشري، وكان لتقديم أولوية الحسم العسكري لدى الأطراف المتصارعة وعدم تحييد التعليم عن الصراع الدائر أثر بالغ في تراجع قيمة التعليم، كما أديا إلى خسائر فادحة في هذا القطاع وفق مؤشرات وزارة التربية في 2015، إذ طالت الأضرار 4382 مدرسة في كافة المحافظات السورية، منها 2888 مدرسة باتت غير مستثمرة ضمن العملية التعليمية، إما نتيجة تدميرها بالكامل أو تحولها إلى مقرات للنازحين ومراكز إيواء للمتضررين داخل الأراضي السورية، أو لا يمكن الوصول إلى موقعها الخطر، بالإضافة إلى تحويل 1489 مدرسة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام إلى مقرات عسكرية للميليشيات المسلحة أو مشاف ميدانيّة لمعالجة الجرحى والمصابين، إلا أن حالة الدمار لا تقتصر على الأبنية والأضرار المادية فقط، إنما انعكست على الواقع البشري بشكل كارثي، وهذه الحال لا تقتصر على مناطق الصراع إنما تمدّ جذورها إلى كافة المناطق.

وأفرزت خارطة السيطرة العسكرية على المناطق السورية واقعين تعليميين مختلفين يعيشهما الجيل الحالي، بحسب أماكن تواجده في المناطق (الآمنة) مناطق النظام التي تبدو العملية التعليمية فيها أفضل. إذ تابعت المدارس والجامعات نشاطها التعليمي أو في المناطق (المحررة) مناطق المعارضة المسلحة التي تعمّد النظام السوري إيقاف العملية التدريسية فيها.

ورغم محاولة سكانها الاعتماد على ما تقدمه المبادرات الأهلية والمنظمات المحلية والدوليّة لإنقاذ العمليّة التعليميّة وإصلاح الخلل الذي يتعرض له الأطفال بسبب توقف العمليّة التعليميّة، إلا أنها لا ترقى لمستوى خلق نظام تعليمي بديل يسهل العملية التعليمية ويواكب ما كان عليه الأمر سابقا، نتيجة وجود العديد من الصعوبات والمخاطر وعلى رأسها الخطر الأمني الذي لا يزال يشكل هاجسا كبيرا يمنع الطلبة من ارتياد مدارسهم أو جامعاتهم، كما يدفع الأهل إلى منع أطفالهم من متابعة التعليم خوفا مما قد يحدث.

ورغم الاختلاف في الواقع التعليمي بين المناطق السورية، إلا أن مشكلات التعليم طالتها جميعا ولم تعد منحصرة في الوضع الأمني فقط، فقد رافقتها مشكلات عديدة منها مشكلة النزوح بشقيه إلى دول الجوار وتحولت فيه العملية التعليمية إلى مدارس المخيمات وبعض المبادرات من منظمات الإغاثة وغيرها والتي تتسم بالمحدودية وافتقادها للقدرة على استيعاب الأطفال المتضررين، والنزوح الداخلي الذي راكم أعدادا كبيرة من الطلبة في مدارس غير مؤهلة لاستيعاب هذا الكم، ما شكل إعاقة في تلقي الطلاب وفي قدرة المعلمين على متابعة إعطاء الدروس، ومنها مشكلة تسرب المعلمين.

إذ ترك ما لا يقل عن 52 ألفا و500 معلم عملهم وصاروا إما لاجئين في دول الجوار أو نازحين داخليا مع توقف أدائهم للتدريس في كلا الحالتين، وتحولهم إلى أعمال أخرى تضمن لهم استمرار الحياة، فضلا عن المشكلات النفسية والاجتماعية التي لا يمكن فصلها عن العملية التربوية والتعليمية بالنسبة إلى المدرسين والطلبة، وهذه المشكلات وغيرها رافقتها مشكلة الوضع المعيشي والأوضاع الاقتصادية الصعبة وانعدام فرص العمل وتراجع القدرة الشرائية للعملة السورية والتي دفعت الأهل في كافة المناطق إلى الاعتماد على الأطفال في العمل وتأمين الحاجات الأساسية من ماء وغذاء لأجل استمرار الحياة، على حساب استمرار المنظومة التعليمية.

آلة الحرب التي ألقت بثقلها على كافة جوانب الحياة السورية وحرمت أجيال اليوم من حقها في التعليم، زرعت بذور الخلل التربويّ والتجهيل نتيجة لما تعرضت له العملية التعليمية من انتهاك جعل من التعليم مأساة حقيقية تزداد اتساعا، وهو ما يلقي بآثاره الكارثية على أجيال طويلة قادمة لن تحصد سوى الأميّة والتخلف والجهل.

17