تدهور الديمقراطية يقوض فرص معالجة أزمات الاقتصاد التركي

فقدان المعايير الديمقراطية يقوض الاقتصاد التركي الذي يعتمد نموه بشكل كبير على ثقة المقرضين الأجانب.
السبت 2019/02/09
الركود سيد الموقف حتى إشعار آخر

تثبت المؤشرات السلبية التي تبدأ بمعدل التضخم البالغ 20.4 بالمئة مرورا بمؤشر مديري المشتريات الضعيف وصولا إلى انهيار مبيعات السيارات وانخفاضها بنحو 60 بالمئة أن تركيا مدفونة بعمق في بحار “الركود التضخمي” ولن تخرج منه حتى النصف الثاني من هذا العام.

لم يحدث هذا المأزق بين ليلة وضحاها فقد تراكمت تداعيات سياسات أسعار الصرف التقليدية وأدت إلى انحدار سعر الليرة وأزمة الائتمان القاسية التي أعقبت ذلك.

تعكس البيانات حاليا الوضع السيء، مع تراجع النمو رغم جهود الحكومة التي لا نهاية لها لدعم الطلب، وكذلك تراجع ثقة المستهلك والأعمال التجارية التي تعوق أي فرصة لتعافي الاقتصاد في المنظور القريب.

وبصرف النظر عن نهاية “الأموال الرخيصة” التي كانت تتدفق على الأسواق الناشئة مثل تركيا على مدى السنوات العشر الماضية، لماذا لا تتعافى الثقة في تركيا في ظل انتهاء ذروة أزمة العملة، على الأقل الآن؟

ولماذا لم تفلح جهود الحكومة في تحقيق أي شيء، على خلاف المرات السابقة كما حدث في الربع الأول من 2009 أو في الربع الثالث من عام 2016، عندما كان الانكماش الاقتصادي مجرد نقطة تحول وتم ضمان العودة إلى النمو في غضون 3 أشهر فقط؟

من المثير للاهتمام أن نرصد أن جهود تركيا المضنية للخروج من انهيارها الاقتصادي في عام 2001 بمساعدة صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي حدثت في وقت ازدهرت فيه ديمقراطيتها نسبيا إلى جانب اقتصادها.

كما أن سنوات “المال الرخيص” التي بدأت مباشرة بعد الأزمة المالية العالمية في 2008 مع نهاية برنامج صندوق النقد، تزامنت أيضا مع تراجع المعايير الديمقراطية التركية، التي لم تكن مثالية أبدا.

يبدو أن المال الرخيص، الناتج عن التيسير النقدي العالمي، قد غطى المشكلات التي تختمر على الجبهة الديمقراطية، حتى بات عبء التراجع الديمقراطي ملموسا أكثر ومكلفا بالنسبة للشعب والدولة.

فشل الانتخابات الديمقراطية في حماية الحريات المدنية وحكم القانون وقيام قيادة منتخبة بالتحول إلى الاستبداد وإضعاف المؤسسات الحكومية، ليست مفهوما جديدا في تاريخ العالم، ومع ذلك فهي ظاهرة متنامية في أعقاب سنوات الكساد الكبير.

وفي حالة تركيا، تم تصميم النظام الرئاسي الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ منذ شهر يوليو 2018، من أجل تعزيز السلطات وتقليل الاستقلالية التشريعية والقضائية وقمع حرية التعبير.

وكان التراجع في الديمقراطية مصحوبا بسرعة تزايد المشكلات الاقتصادية، حين تغير المد في الاقتصاد العالمي من الظروف النقدية اليسيرة إلى بيئة أكثر صرامة وغلاء ابتداء من عام 2013.

وهكذا يبدو أن عام 2018 كان وقتا سيئا بدرجة استثنائية. فقد انخفضت الليرة بنسبة 30 بالمئة وتحول الاقتصاد إلى النمو السلبي إلى حد كبير مع ارتباك البوصلة الجمالية بالتزامن مع التحول من نظام برلماني إلى نظام رئاسي بسلطات تنفيذية واسعة.

ويشير تحليل نشر مؤخرا إلى أن النجاح الاقتصادي تحقق بسرعة كبيرة في دول مثل الصين وسنغافورة، التي لم يكن لديها هدف التحول إلى نظام ديمقراطي.

ويبدو أن تراجع المعايير على جبهة الديمقراطية يؤثر على أي دولة من الناحية الاقتصادية حين يؤدي إلى عزوف المستثمرين، لاسيما بالنسبة لدولة مثل تركيا حيث يعتمد النمو بشكل كبير على الاقتراض الخارجي لأن المدخرات المحلية تفشل في مواكبة الاقتصاد العالمي المتسارع.

منذ بداية العام الماضي تم اتخاذ خيارات السياسة الاقتصادية في وضع “الصراع مع الأزمة” الذي يفتقر إلى التماسك. وحتى برنامج الحكومة المالي الجديد الذي يمتد لثلاث سنوات، والذي أُعلن في سبتمبر الماضي ليكون محور ارتكاز إلى جانب التشديد النقدي القوي، يستند إلى توقعات الاقتصاد الكلي التي أصبحت غير واقعية بسبب شدة وطأة الانكماش الاقتصادي.

وقد أثبتت القرارات اليومية المتعلقة بالإنفاق الحكومي وتخفيض الضرائب والقروض الرخيصة الممنوحة من خلال البنوك العامة عدم فعاليتها في تغيير هذا الاتجاه السلبي.

من الواضح أن المعايير الديمقراطية المتدهورة في تركيا، التي مهدت الطريق أمام خيارات اقتصادية غير فعالة ومنها تبني سياسات نقدية صارمة حين كان ذلك ضروريا، باتت أكثر تكلفة مما كان متوقعا.

واليوم، تكافح الشركات التركية في ظل مدفوعات الديون الخارجية الثقيلة، التي كانت قد اقترضتها خلال السنوات الخمس الماضية لتوسيع عملياتها وتعزيز النمو الاقتصادي.

وتعمل المعايير الديمقراطية كجسر للوصول إلى التمويل لبلدان مثل تركيا، ومع ارتفاع تكلفة التمويل عالميا ظهر الشعور بالتكلفة الحقيقية لتراجع المعايير الديمقراطية.

وهكذا، فإن فشل الحكومة في تحسين مستوى الثقة العام في اقتصاد تركيا، رغم فترات الركود الاقتصادي السابقة، يمكن أن يرتبط بحالة تدهور الديمقراطية، رغم وجود الانتخابات وأحزاب معارضة.

ورغم إنكار الحكومة أنها ستنظر في الحصول على برنامج إنقاذ من صندوق النقد الدولي بعد الانتخابات المحلية المقررة الشهر المقبل، فإنه لا مفر من استمرار المستثمرين والمحللين في ترجيح ذلك الاحتمال، في ظل الصعوبات التي يواجهها القطاع الخاص في سداد الديون الضخمة، التي تم اقتراض معظمها من البنوك المحلية.

وتمثل برامج صندوق النقد، رغم الجدل بشأن جدواها في الكثير من بلدان العالم، مصدرا مهما للقروض يمكن أن يغير الاتجاه السلبي في الاقتصاد التركي وسيكون ثمنه بالنسبة للحكومة هو العودة إلى سياسة اقتصادية تتسم بالعقلانية والشفافية.

10