تدهور العوائد النفطية يضع الاقتصاد الليبي على حافة الانهيار

حذر خبراء البنك الدولي من أن الاقتصاد الليبي، الذي يدفع ثمن الصراع على السلطة منذ سنوات، أصبح على وشك الانهيار جرّاء دمار البنية التحتية وتوقف الاستثمارات وتراجع إنتاج النفط إلى مستويات غير مسبوقة.
الخميس 2016/10/20
الليبيون في انتظار المجهول

طرابلس- دخل الاقتصاد الليبي في منعطف خطير في ظل النزاعات العسكرية والسياسية التي يشهدها البلد منذ سقوط معمر القذافي والتي تمنعه من استغلال احتياطاته النفطية الهائلة. وكان الليبيون يحلمون بمستقبل مزدهر حين أطاحوا بالقذافي في أكتوبر 2011، لكن تطلعاتهم اليوم أصبحت أكثر تواضعا. وقال محمود (35 عاما) وهو من سكان طرابلس، ملخصا آمال مواطنيه “أن نعيش بأمان، أي أن تكون لدينا كهرباء ووقود ومعاش شهري، وأن نرسل أولادنا إلى المدرسة. لا نطلب أكثر من ذلك”.

وفي كل صباح تتشكل طوابير انتظار طويلة أمام المصارف التي لم تعد قادرة على توفير السيولة النقدية لعملائها، ما يعكس بوضوح حجم الأزمة. وإلى جانب ذلك، يعاني الليبيون من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وتحدث البنك الدولي عن “تراجع هائل في القدرة الشرائية” مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة بلغت 31 بالمئة في النصف الأول من العام الجاري.

وبعدما استأثر بالسلطة 42 عاما، ترك القذافي البلاد تعاني من بنى تحتية متقادمة، واقتصاد يعتمد كليا على النفط، ويد عاملة قليلة الكفاءة. ومع خروج الشركات الأجنبية، تدفع ليبيا ثمن هذه المقومات الضعيفة، وقد ساهمت النزاعات التي شهدتها في السنوات الأخيرة في تفاقم الوضع الاقتصادي نحو الأسوأ. وحذر خبراء البنك الدولي مؤخرا من أن “الاقتصاد الليبي ينهار”، ورسموا صورة قاتمة للغاية عن المؤشرات الاقتصادية الرئيسية للبلاد.

وفي قلب مسببات التدهور الاقتصادي انهيار الإنتاج النفطي الذي يؤمن لليبيا أكثر من 95 بالمئة من عائداتها، وقد توقف في ظل النزاعات المسلحة التي تهز البلاد منذ ثلاث سنوات. وباتت ليبيا، التي كانت أغنى دول أفريقيا بالنفط مع احتياطي يبلغ 48 مليار برميل، تحقق أدنى إنتاج بين دول المنظمة المنتجة للنفط (أوبك).

مصطفى صنع الله: خسائر عائدات ليبيا النفطية تقدر بأكثر من 100 مليار دولار منذ عام 2013

ولم تعد الحقول النفطية تنتج في الوقت الحاضر سوى خمس قدراتها، أي بمعدل 335 ألف برميل يوميا فقط، وهو ما حصل في الأشهر الستة الأولى من 2016، ومع ضبابية المشهد السياسي لا يبدو أن المسؤولين قادرون على الإيفاء بوعودهم بشأن رفع الإنتاج.

وهذا التدهور في الإنتاج، مقترنا بالهبوط الحاد في أسعار النفط منذ منتصف 2014، جعل “الاقتصاد يتخبط في الركود منذ 2014″، بحسب البنك الدولي الذي يتوقع ارتفاع العجز في الميزانية العامة الليبية إلى مستويات تاريخية. ويقول مدير المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مصطفى صنع الله إن الخسائر المتراكمة على صعيد العائدات النفطية تقدّر بأكثر من مئة مليار دولار منذ مطلع العام 2013.

وتراجعت عائدات القطاع النفطي إلى أدنى مستوياتها التاريخية، محققة حوالي 2.25 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، بحسب أرقام البنك الدولي، وذلك بالمقارنة مع المستويات التي سجلت قبل 2011. وكانت عوائد ليبيا النفطية قبل الإطاحة بالقذافي تصل إلى حوالي 50 مليار دولار سنويا، مقابل إنتاج قدره 1.6 مليون برميل يوميا.

وبعدما توقف إنتاج النفط تقريبا قبل أكثر من خمس سنوات، عاد خلال بضعة أشهر إلى مستوى يكاد يوازي ما قبل الحرب، لكنه سجل من جديد هبوطا حادا منذ 2013 بسبب أعمال العنف في مناطق المرافئ النفطية في شمال شرق البلاد.

وتحسن الوضع الأمني مؤخرا مع سيطرة القوات الموالية للواء المتقاعد خليفة حفتر، المتحالف مع الحكومة الموازية غير المعترف بها، على المرافئ النفطية. ومع عودة الهدوء بصورة سريعة، استؤنفت حركة تصدير النفط، في تطور وصفته المؤسسة الوطنية للنفط التي تسعى إلى البقاء محايدة، بأنه “إيجابي”، لكن البنك الدولي لا يتوقع استعادة الإنتاج قدرته القصوى قبل 2020 بانتظار أن يتمّ إصلاح البنى التحتية التي تضررت كثيرا.

وقالت الخبيرة المستقلة الليبية كريمة منير إن “امتصاص الأزمة يتطلب وقتا لأن العائدات الناجمة عن هذه الصادرات ستستغرق وقتا قبل أن تتمكن من جديد من تغطية النفقات العامة الهائلة”. وترى الخبيرة أن الاعتماد على النفط أضرّ بشكل خطير بالاقتصاد وشكل ضغطا على الاحتياطات النقدية. ومن أجل سدّ العجز، تستخدم السلطات احتياطات العملات الأجنبية التي تقلصت في غضون ثلاث سنوات فقط من 107.6 مليار دولار إلى 43 مليارا في العام الحالي، وفق البنك الدولي.

ومع المضاربة والقيود المفروضة على صرف العملة، دخل الاقتصاد الليبي حلقة مفرغة ونشطت السوق الموازية التي لجأ إليها الليبيون لعقد صفقاتهم التجارية تقريبا بعد أن فقدوا ثقتهم في المصارف. وأدّى هذا الوضع إلى إفراغ رفوف المتاجر، إذ عمد التجار إلى الحدّ من البضائع المستوردة خشية تكبّد خسائر في سوق عملات متقلبة للغاية. وحذر أحد رؤساء الشركات النادرين الذين ما زالوا يعملون في طرابلس من أن “الوضع قد يتفاقم أكثر إذا لم يتمّ إيجاد حل سريع لمشكلة السيولة”.

10