تدهور القدرة الشرائية يلقي بظلاله على التونسيين في رمضان

ألقت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بظلال كئيبة على غالبية التونسيين في أول أيام شهر رمضان بعد أن أنهكتهم سنوات أربع عجاف لم يجنوا منها سوى مزيد من الفقر والبطالة وتراجع حاد للمقدرة الشرائية في وقت اشتعلت فيه نار أسعار المواد الغذائية بسبب شبكات الاحتكار والمضاربة التي تستغل غياب المراقبة لتحكم قبضتها على الأسواق.
الاثنين 2015/06/22
الفقراء يبحثون عن حد الكفاف في الأسواق الشعبية

تونس - رغم الإجراءات الاقتصادية التي تقول السلطات إنها اتخذتها ضد جميع أشكال الاستغلال والضغط على الأسعار، فإن الصائمين يتذمرون من عجزهم حتى على اقتناء حاجاتهم الأساسية في شهر يفترض ألا تثرى فيه شبكات تشدد قبضتها على قنوات توزيع مختلف المواد على حساب المستهلكين.

وهجر معظم التونسيين الأسواق التجارية الكبرى في الأيام الأولى لشهر رمضان، بسبب أسعارها المرتفعة، ولجأوا إلى الأسواق الشعبية، ليتركوا الأسواق الكبرى شبه خالية من الزبائن.

ويحظى شهر رمضان بأهمية استثنائية لدى التونسيين، ليس فقط بسبب أهمية الدينية والروحية، بل لأنه يعكس أيضا تقاليد استهلاكية راسخة، حيث يتضاعف الاستهلاك بنسبة 100 بالمئة حسب دراسة أعدتها منظمة الدفاع عن المستهلك العام الماضي.

وكانت العائلات التونسية، قبل انتفاضة يناير 2011 تستعد لاقتناء كل ما يلزمها من المواد الغذائية خلال كامل شهر رمضان، لكن تدهور قدرتها الشرائية اضطرها هذا العام إلى التسوق يوميا والاكتفاء بما هو ضروري لمائدة إفطار واحدة.

وتظهر حدة الفوارق الاجتماعية أن رمضان فقراء تونس ليس رمضان أثريائها، حيث يكتفي الفقراء بـ”قوت إفطارهم اليومي”ويضطرون إلى الاقتراض في العشر الأواخر بعد أن يستنزف التجار جيوبهم، أما أثرياؤها فإنهم يستمتعون بموائد إفطار تؤثثها أصناف من المأكولات، وتكون عادة في المطامع الفاخرة.

وتكفي جولة في الأسواق ليلاحظ زائرها أن اللوحات المخصصة لتحديد الأسعار قد نزعت من على البضائع حتى إذا اقترب المواطن أملى عليه التاجر أسعارا باهظة لا تتناسب لا مع جودة السلع ولا مع جيوب الصائمين.

18 بالمئة نسبة ارتفاع الثراء الفاحش مقابل ارتفاع نسبة الفقر المدقع بنسبة 30 بالمئة

وتشمل المضاربة في الأسعار مواد يعتبرها التونسيون ضرورية خلال رمضان مثل اللحوم والبيض والخضراوات والفواكه. وقد ارتفع سعر الكيلو الواحد من لحم الضأن إلى نحو 20 دولارا، وهو ما يعادل أجرة يوم عمل للعمال وصغار الموظفين.

ويقول الباعة إن ندرة المواد الاستهلاكية هي التي تقف وراء غلاء الأسعار وأنهم مجرد وسطاء بين المنتجين والمستهلكين، غير أن التونسيين يعرفون جيدا أن شهر رمضان لا يتعامل معه التجار كشهر عبادة بقدر ما هو فرصة للثراء على حساب شهوة الصائمين.

وإزاء هكذا وضع يضطر الفقراء إلى الاكتفاء باقتناء ما هو ضروري لإعداد إفطار غير متوازن تغيب على مائدته اللحوم والفواكه.

وفي كثيرا من الحالات يطوي المواطنون مسافات للتنقل إلى أسواق بعيدة بحثا عن أسعار تتلاءم مع مقدرتهم الشرائية، غير أن آمالهم تتبخر حين يكتشفون أن ارتفاع الأسعار هي ظاهرة عامة.

وعمقت المضاربة في الأسعار هوة سحيقة بين قلة قليلة من الميسورين وشرائح واسعة من الفقراء يعيشون على شظف العيش الأمر الذي زاد من الشعور بالحرمان.

ظلال الأزمة التي تعيشها البلاد عصفت بتماسك المجتمع وتضامنه بعد أن تعمقت الفوارق الاجتماعية بشكل حاد حيث ارتفعت نسبة الثراء الفاحش بنحو 18 بالمئة فيما ارتفعت نسبة الفقر المدقع بنسبة 30 بالمئة، الأمر الذي نخر التوازن الاجتماعي ليقود إلى تضاريس اجتماعية جديدة تشكلت على أنقاض مفهوم “مجتمع الطبقة الوسطى”.

ويرى غالبية التونسيين أن الهوة بين الفقراء والأغنياء “مشكلة كبرى” تهدد استقرار البلاد و”تؤجج حقدا اجتماعيا” يعد أرضية خصبة للاضطرابات والانتفاضات والاحتجاجات.

المضاربة في الأسعار عمقت هوة سحيقة بين قلة قليلة من الميسورين وشرائح واسعة من الفقراء

ويقول خبراء التنمية الاجتماعية إن النسبة العامة للأثرياء التونسيين ارتفعت خلال السنوات الأربع الماضية إلى نحو 20 بالمئة، وهي تستأثر بنحو 80 بالمئة من ثروات البلاد في مجتمع تصل فيه نسبة الفقر في الأحياء الشعبية إلى 70 بالمائة.

ويعد مؤشرا قويا على أن التونسيين لم يجنوا من سنوات الثورة سوى تعميق الفوارق الاجتماعية في وقت كانوا ينتظرون فيه أن تقودهم إلى مجتمع أكثر توازنا بين فئاته من خلال تقاسم عادل لعائدات الخيرات.

وأدى بروز “طبقة الأثرياء الجدد” وانماطها الاستهلاكية التظاهرية وبدأت تؤجج لدى أكثر من 70 في المائة من الطبقة والوسطى والفقيرة نوعا من الحقد الاجتماعي يرافقه سخط على السلطة السياسية التي خذلت غالبية التونسيين.

ويلوم التونسيون الحكومات المتعاقبة في تقسيم الخارطة الاجتماعية إلى “ثلاث جزر” معزولة هي “جزيرة الأغنياء” التي تعلو سلم الهرم الاجتماعي و”جزيرة الفئات الوسطى” المتآكلة و”جزيرة الفقراء” الغارقة في مستنقع الفقر.

وينحدر نحو 75 بالمئة من الأثرياء الجدد هم من فئات اجتماعية متواضعة، وقد التحق معظمهم بأحياء من سبقهم في الثراء في أحياء شمال تونس العاصمة، بل زاحموا العائلات الأرستقراطية في أحياء قرطاج ليسكنوا القصور التي يتجاوز سعرها 2.5 مليون دولار. فيما يقطن 30 بالمائة من فقراء تونس في بيوت طينية وقصديرية هي أقرب إلى الأكواخ.

وأظهرت دراسة للمعهد التونسي للإحصاء أن أغلب التونسيين عاجزون عن تحقيق التوازن في النفقات، التي يذهب 92 بالمئة منها لتوفير الغذاء لدى الطبقات الفقيرة والمتوسطة، لتتضاءل مخصصات الإنفاق على الصحة والملابس والترفيه.

أما الأثرياء فينفقون 27 بالمائة على التغذية و17 بالمائة على الصحة و26 بالمائة على الألبسة و21 بالمائة على الترفيه.

10