تدوير المدربين سوق نشطة عربيا وأفريقيا

الزمالك يعد من أكثر الفرق التي شهدت تغييرات مستمرة في الأجهزة الفنية بالدوري المصري.
الأحد 2019/12/15
باتريس كارتيرون المدرب المحظوظ

باتت عملية تدوير المدربين السمة الرئيسية للكثير من الأندية والمنتخبات العربية والأفريقية بعدما تحولت إقالة الأجهزة الفنية إلى أسرع وسيلة لامتصاص غضب الجماهير الغاضبة على هذا الفريق أو ذاك بصرف النظر عن ظروف المباريات وأداء اللاعبين ومنهج الإدارة. ودائما ما يكون المدرب هو كبش الفداء للخروج من أي أزمة حتى ولو حقق نتائج مبهرة سابقا.

القاهرة – انطلق المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون قبل أيام في مزاولة مهامه الفنية على رأس الإدارة الفنية لفريق الزمالك المصري، ليصبح المدرب رقم 20 في عهد رئيس النادي الحالي مرتضى منصور الذي تولى المسؤولية منذ خمس سنوات شهدت تغييرات مستمرة في الأجهزة الفنية، حتى وصل معدلها إلى 4 مدربين في المتوسط خلال العام الواحد.

ويمثل اختيار المدرب الفرنسي، المقال من الرجاء البيضاوي المغربي قبل شهر واحد، تكريسا لموضة جديدة باتت تسود القارة الأفريقية ويتجلى أبرز ملامحها في تغيير المدربين بوتيرة سريعة قد لا تتعدى بضع مباريات، وإعادة توظيفهم في أندية أخرى بوتيرة أسرع، حتى بات دخول المدرب الأجنبي إلى أرض القارة السمراء بمثابة عقد أبدي بعدم المغادرة، مهما كان مستوى أدائه أو قدراته.

ودرّب كارتيرون، الذي بدأ رحلة التدريب في أفريقيا عام 2013، مازيمبي الكونغولي قبل أن ينتقل إلى مصر مع فريق وادي دجلة، ثم الأهلي الذي أقاله بعد الخسارة أمام الترجي التونسي والخروج من كأس الأندية العربية، وأعاد كارتيرون الكرّة مع الرجاء البيضاوي المغربي وقاده إلى الفوز بكأس السوبر الأفريقية قبل إقالته بعد الهزيمة من “يوسفية بورشيد” بنتيجة 2-3.

منطقة شمال أفريقيا تشهد موجات أعلى من الإقالات في البطولات القارية مع انغماسها في ماضيها القديم من البطولات واستصغار المنافسين رغم المستويات المتقدمة

ويملك الصربي ميتشو الذي أقاله الزمالك قبل أيام سجلا محترما من البطولات الأفريقية، فحصل على لقب أفضل مدرب 9 مرات في الدوريات التي عمل بها، بعد التتويج ببطولة الدوري ثلاثة مواسم مع نادي فيلا الأوغندي، وبالعدد ذاته مع سانت جورج الإثيوبي، والدوري والكأس مع الهلال السوداني، والدوري مع فريق يانغ أفريكانز التنزاني، وأنقذ “أورلاندو بايرتس” الجنوب أفريقي من دوامة الهبوط.

وكانت لميتشو الذي فاز مع الزمالك ببطولة كأس مصر، تجربة مميزة أيضا مع المنتخبات الأفريقية بقيادة منتخب رواندا في الفترة من 2011 إلى 2013، والتأهل بمنتخب أوغندا إلى المشاركة في كأس أمم أفريقيا 2017 بعد غياب عن البطولة استمر 39 عاما.

ويقول ياسر أيوب، الناقد الرياضي، إن الأندية الأفريقية لا تحدد المهام المطلوبة من المدير الفني قبل اختيار اسمه، وغالبا ما يحكم الاختيار نوع من المجاملة في ظل غياب اللجان المتخصصة التي تجتهد في متابعة الدوريات المختلفة، والبحث عن الأسماء اللامعة وملاحقة الجديد في عالم التدريب والخطط الفنية.

تشتيت اللاعبين

يجعل التغيير المستمر للأجهزة الفنية اللاعبين مشتتين من الناحيتين النفسية والفنية، فعليهم العمل باستمرار على فهم وجهة نظر المدرب الجديد، ويعانون من تغير الخطط المستمرة وتنوعها بين الهجوم أو الدفاع أو الأداء المتوازن، وفقا لأسلوب كل مدرسة فنية.

ويضيف أيوب لـ“العرب”، أن الكثير من المدربين المحليين لديهم قدرات أعلى من الأسماء الأجنبية المتداولة محليا، ويمتازون بدراية أكبر بطبيعة اللاعب والجمهور ومفاتيح لعب المنافسين، لكن تظل عقدة المدرب الأجنبي هي السائدة في القارة الأفريقية، ومحاربة بعض الأسماء لأسباب بعيدة تماما عن كرة القدم.

وعانى الأهلي المصري بسبب سياسة تدوير المدربين في لقائه الأخير مع النجم الساحلي التونسي الذي يدربه خوان كارلوس غاريدو، فالأخير سبق له تدريب فريق الأحمر (الأهلي) وحقق معه كأس الكونفيدرالية الأفريقية، ويعرف جيدا أسلوب أداء لاعبيه وعناصر الخطورة التي يمكن إيقافها وشل حركة المنافس. ويشير محللون إلى أن الكثير من المدربين الذين يتم تداولهم في أفريقيا فشلوا في تحقيق بطولات في بلدانهم الأصلية، ويجدون في أفريقيا متنفسا في ظل ضعف مستوى الكرة بوجه عام، وبعضهم حقق نجاحات وحصد بطولات لضعف قدرة المنافسين.

ويضرب هؤلاء مثلا بالبرتغالي مانويل غوزيه الذي حقق مع الأهلي المصري 15 بطولة، لكنه لم يحقق في بلاده سوى بطولة وحيدة، وأقيل من الاتحاد السعودي، بعد سلسة هزائم وخروج النادي خالي الوفاض من أي بطولة في حينه، ليختار تدريب منتخب أنغولا ولم يقدم معه إضافة تذكر.

ولا تجد مجالس الإدارات في بعض الأندية العربية والأفريقية ضررا في تغيير المديرين الفنيين طالما يخرج الفريق ببطولة أو أكثر في نهاية الموسم، رغم أن سلب النجاح مرتبط باشتراط الفوز لحصول اللاعبين على مستحقاتهم المالية، فيضطرون إلى اللعب بشكل فردي ودون وجود خطط للحصول على أموالهم فقط.

ويشرح أيوب، أن تغيير المدربين بات أسرع على مستوى العالم مع انزواء مقولة الإبقاء على المدرب لنهاية الموسم تحت ضغط الهجوم الجماهيري على وسائل التواصل الاجتماعي، وسخرية وسائل الإعلام من النتائج، لكن الوضع الأفريقي غير مفهوم في الكثير من الأحيان.

وتخالف طريقة تغيير المدربين في الدوريات الأفريقية تماما السائد في الدوريات الأجنبية التي تقضي بمنح الأجهزة الفنية الفرصة كاملة لتطبيق أسلوبها واختيار اللاعبين الذين يستطيعون التنفيذ، ولم يتعرض جهاز فني في أي ناد أوروبي للإطاحة بسبب نتيجة مباراة واحدة، مثلما يحدث مع بعض أندية شمال أفريقيا.

ويحمل الدوري المصري رقما قياسيا في تدوير المدربين، ففي موسم واحد تولى المدرب علاء عبدالعال مسؤولية ثلاثة أندية مختلفة هي (إنبي، الشرقية، والداخلية)، بينما تولى كل من طارق يحيى ومؤمن سليمان وعماد النحاس وأسامة عرابي ومختار مختار تدريب فريقين مختلفين في الموسم ذاته.

المدرب التونسي فوزي البنزرتي الذي حصل على بطولة الدوري 8 مرات، يعتبر مثالا صارخا لتداول المدربين بتناوبه على أغلبية الفرق المحلية
المدرب التونسي فوزي البنزرتي الذي حصل على بطولة الدوري 8 مرات، يعتبر مثالا صارخا لتداول المدربين بتناوبه على أغلبية الفرق المحلية

ويرفض اتحاد الكرة المصري تطبيق القواعد الأوروبية الخاصة بمنع المدرب الذي يتعرض للإقالة أو الاستقالة من تدريب فريق آخر خلال الموسم ذاته، وسط اقتناع بأن حركة تغيير الكراسي تعطي البطولة المزيد من السخونة والتشويق، فالتغييرات تحظى بمتابعة جماهيرية أكثر من النتائج.

قبل الموسم الحالي للدوري التونسي الممتاز لكرة القدم، أجرى 11 ناديا تغييرات على الأجهزة الفنية، لكن سرعان ما بدأ شبح الإقالات يطفو على السطح، ليقيل الصفاقسي التونسي مدربه الصربي نيبوشا يوفوفيتش الذي سبق له تدريب الزمالك بعد شهرين فقط من تولي مهامه، وتعرض فوزي البنزرتي إلى المصير ذاته مع النجم الساحلي بعد خسارته لنهائي الكأس والخروج من دور الـ32 في البطولة العربية.

ويعتبر البنزرتي الذي حصل على بطولة الدوري 8 مرات، مثالا صارخا لتداول المدربين بتناوبه على تدريب أغلبية الفرق المحلية، من نادي أولمبيك سيدي بوزيد، والاتحاد الرياضي المنستيري (ثلاث مرات)، والنجم الساحلي (3 مرات)، والنادي الأفريقي (3 مرات) والترجي التونسي (4 مرات)، والصفاقسي، والملعب التونسي، والرجاء البيضاوي المغربي، كما درب منتخب تونس ويخوض الآن مهمة تدريب المنتخب الليبي.

ولا تختلف الأحوال كثيرا في الدوري المغربي الذي يشهد نشاطا للإقالات وتداولا في المدربين، فبعد ساعات من إقالة الأرجنتيني ميغيل أنخيل غاموندي من نادي حسنية أغادير، دخل في مفاوضات مع رئيس اتحاد طنجة لتولي مهمة الإدارة الفنية، رغم سوء النتائج التي سجلها مع فريقه السابق.

وارتبطت الكثير من الوجوه الأجنبية في شهرتها بأفريقيا، لكن تنقلاتها كانت محسومة بفترات زمنية محددة سابقا وتحقيق الهدف من وجودها، فالفرنسي هيرفي رينارد تولى مسؤولية منتخب زامبيا مرتين قادها في الأولى لربع نهائي بطولة كأس الأمم الأفريقية بعد غياب 14 عاما، والثانية حصل معها على الكأس، ولم تتجاوز مدة عقده خلالها العام الواحد.

وتقول بعض إدارات الأندية العربية إنها تفضل اختيار مدربين لديهم خبرات في القارة، وطبيعة ملاعبها ضعيفة الإمكانيات مقارنة بالخارج وعقلية اللاعب ذاته التي تفتقر لسلوك الاحتراف على مستوى الانضباط في التدريبات ومخالفة البرامج الغذائية واكتساب وزن زائد باستمرار، والاحتياج المستمر إلى الاحتواء النفسي.

ولا يمكن تنحية عامل اللغة جانبا والذي فتح المجال للمدربين الفرنسيين للتواجد بكثافة في أفريقيا، مثل رينارد مع منتخبات أنغولا وكوت ديفوار والمغرب، وقبله الأستاذ كلود لوروا الذي قاد منتخبات الكاميرون والسنغال والكونغو الديمقراطية وغانا وتوغو، وفيليب تروسيه الذي درب كوت ديفوار وبوركينا فاسو وجنوب أفريقيا ونيجيريا والمغرب، وآلان جيريس الذي خاض تجربة التدريب في السنغال والغابون ومالي وتونس، وكذلك تجربة هنري ميشيل مع الكاميرون والمغرب وتونس وكوت ديفوار.

ويقول الناقد الرياضي حسن المستكاوي، إن طريقة اختيار المدربين يعيبها الكثير ولا تخرج من إطاري “شهادات الخبرة” أو سابقة الأعمال وإعلاء مقولة “النتائج قبل الأداء”، واعتبر المبدأ الأخير أكذوبة لأن الأداء الجيد والقوي سينتهي إلى نتائج جيدة، ودونه يظل الرهان على خطف نتيجة إيجابية قلة حيلة.

ويؤكد محللون أن شخصية المدرب من أهم عوامل نجاحه، فمن مهامه تغيير شخصية اللاعب وتذويب الأداء الفردي للاعبين ذوي المهارات الفردية لصالح الأداء الجماعي، ووضع مسافة محسوبة بينه وبينهم تصنع الانضباط، ومواجهة ضغوط المباريات والجماهير واحتمال الإصابات والشخصية القوية التي تمنع التدخل في قراراته.

وتوجد العديد من الثوابت في اختيار المديرين الفنيين تغيب عن معظم الأندية العربية، في مقدمتها متابعة الأداء على الأرض وتحليل بيانات النتائج دون الاكتفاء بقراءة السيرة الذاتية، وقبول إمكانية تعرض أي مدير فني، مهما كان قويا للهزائم، وعدم تحديد السقف المادي الذي لا يمكن تجاوزه، ومنح الجهاز الفني الصلاحيات كاملة دون تدخلات.

وأشار طه إسماعيل، المحلل الرياضي ورئيس لجنة التخطيط السابق بالنادي الأهلي المصري، إلى أن الوكلاء يتحكمون في منظومة الكرة في القارة الأفريقية عبر طرح أسماء المدربين أو اللاعبين أو حتى استقدام الحكام الأجانب في اللقاءات المصيرية، ما يساهم في تقليص مساحات الاختيار التي يمكن أن تنفذ من خلالها أسماء جديدة وتخوض مغامرة التدريب.

ويعتبر البعض أن سياسة تدوير المدربين بين الأندية شكل من أشكال إفساد المنظومة الكروية، ما يجعل الوكلاء أصحاب اليد العليا في إدارة اللعبة. فاختيار المدربين المقربين منهم يمنحهم الفرصة لفرض لاعبين محدودي القدرات عليهم، والتدخل في التشكيل الأساسي والاحتياطي والقضاء على مبدأ المنافسة الشريفة التي تعطي المجتهدين فرصة اللعب في التشكيل الأساسي.

وأضاف إسماعيل لـ“العرب” أن بعض المدربين الأجانب يعتبرون تجربتهم في المنطقة العربية بمثابة رحلة عمل، فلا يبالون بسياسة الإقالات المستمرة، طالما تضمن عقودهم الحصول على عائد مالي ضخم في حالة الإقالة، قد يصل إلى مرتب عام كامل، وبعضهم اختار التوطّن في أفريقيا وفضّل الإقامة فيها انتهازا للفرص.

غياب التخطيط

تشهد منطقة شمال أفريقيا بالذات موجات أعلى من الإقالات في البطولات القارية مع انغماسها في ماضيها القديم من البطولات، واستصغار المنافسين رغم المستويات المتقدمة التي يحققونها. فقبل عام واحد لم يكن لجزر القمر أي وجود على مستوى كرة القدم والآن تحرج كبار القارة في تصفيات أفريقيا، ومع أي هزيمة من فرقة صغيرة تحدث ثورة من الجماهير والإدارة في الوقت ذاته .

ويلفت المحللون إلى أن المدير الفني هو الحلقة الأضعف في الفرق، فلا إدارات الأندية والمنتخبات تعترف بتحمل مسؤولية النتيجة، ولا اللاعبون تتم معاقبتهم بجدية على التقصير، وبات من الوارد تحالف قائد الفريق “الكابتن” مع مجلس إدارة النادي على المدير الفني من أجل إبعاده لأسباب ترتبط برفض الأخير التدخلات في قراراته.

ويؤكد طه إسماعيل، أن المنظومات الكروية الأفريقية يغيب عنها التخطيط ودراسة الواقع والمنافسين على عكس المنظومات الأجنبية التي تضع في الحسبان مستوى الأعمار وتطور الفرق، فمنتخب مثل ألمانيا يحافظ على مدرب واحد طوال فترته المقررة رغم سوء النتائج، ما يعطيه إحساسا بالاستقرار وبهدف إعداد جيل من اللاعبين القادرين على بلوغ منصات التتويج، وهو ما تردد صداه مؤخرا مع يواخيم لوف في التصفيات المؤهلة إلى يورو 2020.

ومع التغيير المستمر، بات المدربون يبحثون عن العناصر الأجنبية الجاهزة في دوريات أخرى تحقق خطتهم ويرفضون الدفع بوجوه شابة تحتاج فقط إلى اكتساب حساسية المباريات، ما انعكس على أداء الكثير من الفرق والمنتخبات.

وتمنع سياسات شراء اللاعبين الجديدة والتخلي عن قطاعات الناشئين تحقيق التجانس بين أعضاء الفريق ومواجهتهم القلق النفسي مع فتح باب الانتقالات، ووصل الأمر إلى تبديل ناد مصري 79 لاعبا في ظرف ثلاث سنوات فقط، وإعادتهم مجددا بعقود أعلى عقب تألقهم مع فرقهم الجديدة.

وتحمل الكثير من الأندية العربية والأفريقية خاصية فريدة باختيار مجالس الإدارات في الصفقات الجديدة وفرضها على الجهاز الفني، وقد تصل التدخلات إلى اختيار تشكيل اللاعبين في المباريات، ففريق الزمالك المصري أقال مدربه السويسري غروس مؤخرا لرفضه توصية رئيس النادي بإشراك مجموعة من اللاعبين الذين تم بيعهم بعد رحيل المدرب في مفارقة غريبة.

22