تدوير الورق يعجل بطرد الأكياس البلاستيكية في مصر

صناعة الحقائب من مواد قابلة للتحلّل تعود إلى الحياة بعد كساد طويل، والفنانين الشباب يتخذون من التدوير وسيلة فنية لمواجهة أخطار البلاستيك.
الاثنين 2019/12/23
ورق من النخل ولصق من النشا

الخطط المصرية لاستبدال 12 مليار حقيبة بلاستيكية يستخدمها المواطنون سنويا ببدائل صديقة للبيئة، تعيد الأكياس الورقية القديمة إلى الحياة مجددا، وتعطي نبضات من الإلهام للفنانين الشباب للانغماس في فن التدوير.

القاهرة - وجدت مصر ضالتها في الورق لمواجهة التداعيات السلبية لانتشار استخدام المنتجات البلاستيكية على الصحة والسياحة بعد نفوق أنواع من الكائنات البحرية قبالة الشواطئ المحلية، ما أعاد مجموعة من الصناعات القديمة المندثرة للحياة، أهمها صناعة الأكياس الورقية.

اتخذت محافظة جنوب سيناء أخيرا، قرارا بمنع استخدام أكياس البلاستيك بجميع المحال التجارية والمنشآت والفنادق بمدينة دهب التابعة لها، واستبدالها بالعبوات الورقية القابلة للتحلل للحفاظ على البيئة وصحة المواطنين، وتدرس تعميمها بباقي المدن، بعدما لاقت الفكرة ترحيبا من أصحاب المشروعات السياحية والتجارية.

قبل 20 عاما، كان اللون البني يحكم الشوارع في فترات الذروة بمجموعات كبيرة من الموظفين الذين يعودون إلى منازلهم حاملين حقائب ورقية تضم احتياجاتهم، ويبدو أن الوضع في طريقه للتكرار قريبا في عودة ترتبط بدراسات تربط بين البلاستيك وارتفاع معدلات الإصابة بالأورام.

في ورشة الورق الصغيرة بشارع “سويقة السباعين” وسط القاهرة، يبدو الستيني فتحي عبدالسميع سعيدا بارتداد الزمن إلى الوراء مع عودة الطلب مجددا على بضاعته من الحقائب الورقية، ليجني ثمار التمسك بمهنته، وعدم الانجرار وراء المطالبين إياه بتغييرها، بعدما شاع استخدام البلاستيك مطلع التسعينات من القرن الماضي.

مصر تستهلك مليار كيس بلاستيكي شهريا بحجم طلب متزايد يفوق الستة بالمئة سنويا ما يساهم في نفوق  الكائنات البحرية

ظل العامل طوال عقدين لا يصنع سوى عبوات التعبئة الصغيرة لصالح محال بعض العطارة والمحمصات ويتحسر على حياته التي أفناها في خدمة مهنة لا تجد تقديرا قبل أن تشهد تناميا في العبوات كبيرة الحجم، تتحمل أوزانا تصل إلى 10 كيلوغرامات، وطلبات بتعديل أشكالها لتناسب مختلف البضائع.

يقول عبدالسميع لـ”العرب”، إن صناعة الأكياس الورقية التي يزاولها منذ 30 عاما تبدو سهلة للوهلة الأولى، لكنها تحتاج إلى فنيات خاصة في كيفية تقطيع الخامات، ولصقها بأسلوب يجعلها تتحمّل ضغوط الوزن، وتتحاشي التمزق حال حمل أشياء مبللة داخلها.

وكشف تقرير حديث لوزارة البيئة أن مصر تستهلك مليار كيس بلاستيكي شهريا بحجم طلب متزايد يفوق الستة بالمئة سنويا، تستحوذ الأنشطة التجارية المتعلقة ببيع البقالة والخضر والفاكهة والمواد الغذائية على قرابة 65 بالمئة من إجمالي الاستهلاك وتسعى لاستبدالها بمنتجات صديقة للبيئة.

وتعتمد الحقائب الورقية على مواد طبيعية في جميع مراحلها، فالورق من الأخشاب، والعجينة اللاصقة تتكون من الدقيق، والنشا، والمياه الساخنة، ما يجعلها سريعة التحلل دون ضرر على التربة أو الهواء، على عكس البلاستيك الذي يتم التخلص منه بالحرق ويقاوم التحلل لقرابة قرن كامل.

تحف فنية
تحف فنية من تدوير النفايات

ينكفئ عبدالسميع لقرابة 12 ساعة يوميا على أكوام الورق المكدسة أمامه، التي تمرّ بخمس مراحل قبل أن تتحول إلى منتج نهائي من التقطيع واللف والتطبيق والثني واللصق، مع مراعاة الأبعاد الهندسية للعبوة والغرض منها في اختيار الطول والعرض وكمية اللاصق.

ويراهن أصحاب الورش الصغيرة المتبقية على الزخم المتصاعد إزاء قضية التلوث والاحتباس الحراري، في عودة صناعتهم إلى النشاط الكامل، فقبل ربع قرن كان منتجهم عنصرا ضروريا في تغليف غالبية المنتجات، بداية من الأطعمة والملابس، وانتهاء بعلب الهدايا وباقات الورود.

وتقدم النائب فرج عامر، رئيس لجنة الصناعة بمجلس النواب والذي يرأس شركة ضخمة للحوم بمشروع قانون جديد ينظم عملية حظر البلاستيك أحادي الاستخدام على مراحل وصولا إلى منعه بالكامل.

ولا يكفي إنتاج مصر من ورق الطباعة ومستلزمات الإنتاج سوى 30 بالمئة فقط من الاستهلاك المحلي، وتستورد البلاد بما قيمته 1.5 مليار دولار سنويا، لكنها تراهن على مشروعات جديدة لاستغلال مخلفات محاصيل الأرز في زيادة حجم الإنتاج.

وتبنت وزارة البيئة مبادرة ممولة من الاتحاد الأوروبي بعنوان “أكياس بلاستيكية.. كفاية” للحدّ من اعتماد البلاد على البلاستيك، وتشن حملات مستمرة حاليا على الشواطئ لتنقيتها من المنتجات المصنعة من مشتقات البترول، ورفعت وزارة الصحة غرامة البيع في أكياس بلاستيكية سوداء إلى قرابة 60 دولارا.

فوجئ عطية عبدالعزيز الذي بدأ مهنته قبل نصف قرن، بالاهتمام المستجد بورشته والاتصالات المفاجئة التي ترده، فقبل أشهر كان الزبائن تقتصر على مجموعة صغيرة من المحال لصناعة عبوات لا يتجاوز حجمها

النصف كيلوغرام. فكر الصانع الخمسيني أكثر من مرة في التخلي عن مهنته التي بدأها في عمر 6 سنوات، وخاض تجربة العمل بمهنة تنظيف الذهب بشارع الصاغة القريب، ثم فكر في الاتجاه لصناعة الحقائب البلاستيكية، لكنه قرر الاستمرار في مهنته، وتلقي مكافأة أخيرا مع تنامي المخاوف عالميا من أضرارها الصحية وقدرة الورق على الحفاظ على القيمة الغذائية.

يقول عبدالعزيز لـ”العرب”، إن العديد من العوائق تقف في طريق العودة القوية لصناعة الحقائب والأكياس البلاستيكية، واستثمار القرارات الحكومية الجديدة فيها، من بينها تكاليف الشحن المرتفعة، وارتفاع تكلفة الورق المستورد إلى الضعف، وعدم وجود مصانع محلية قوية للتدوير.

مصر تشهد معارض فنية مستمرة تقوم على تدوير النفايات وأصبحت خامة البلاستيك البطل الرئيسي فيها لمنع حرقه وتلويثه للبيئة، وحوّله البعض إلى مشروعات لإنتاج آلات موسيقية، وتحف فنية وحتى الأزياء

استهلكت مدينة دهب نحو خمسة آلاف عبوة صديقة للبيئة منذ تطبيق المبادرة، ما دفع محافظة جنوب سيناء إلى التوجيه بطرح نصف مليون كيس ورقي أخرى بالأسواق والمحال التجارية والبازارات لتلبية الطلب المتزايد.

كان أصحاب الورش يخشون حتى وقت قريب من اندثار المهنة مع رفض الأبناء العيش في جلباب الآباء واستكمال صناعة ذات مردود محدود، لكن تغيرات الأسابيع الأخيرة دفعت بعض الشباب إلى الاقتناع بها كنشاط إضافي بجانب العمل الأصلي مثل محمد عوض، صاحب الـ29 عاما، الذي يعتزم فتح ورشة جديدة لهذه الصناعة بالجيزة.

جاء عوض من أسوان في جنوب مصر إلى حي بولاق الدكرور الشعبي في القاهرة باحثا عن عمل، وبدأ مزاولة المهنة كنشاط عائلي بمنزله والتسويق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومع تنامي الطلب استعان بخامات طبيعية تجعل الحقيبة أكثر تحملا للأوزان والرطوبة، باستخدام خيوط الكتان.

وأصبحت تخوفات صناعات الورق في مصر حاليا من المنتجات المستوردة التي تنافسهم بقوة، كالحقائب المصنوعة من القطن والتي تقبل عليها المحال التجارية والسياحية رغم ارتفاع أسعارها بسبب متانتها، وإعادة استخدامها من الزبائن ما يجعلها دعاية مستمرة.

الاتجاه إلى الكرتون لأسباب صحية لا تخلو من حنين للماضي
الاتجاه إلى الكرتون لأسباب صحية لا تخلو من حنين للماضي

واتخذت مجموعات من الشباب من التدوير وسيلة فنية لمواجهة أخطار البلاستيك مثل مجموعة “باستيت آرت” المكونة من طلبة كلية الفنون الجميلة والذين تخصصوا في تدوير المنتجات البلاستيكية كخامة فنية.

تشهد مصر معارض فنية مستمرة تقوم على تدوير النفايات وأصبحت خامة البلاستيك البطل الرئيسي فيها لمنع حرقه وتلويثه للبيئة، وحوّله البعض إلى مشروعات لإنتاج آلات موسيقية، وتحف فنية وحتى الأزياء، مثل مصمم الأزياء مهند كوجاك الذي صنع فستانا للفنانة درة من زجاجات المياه المستخدمة بمهرجان الجونة السينمائي.

باتت الأكواب والأطباق الورقية أكثر طلبا من الجمهور في محال الوجبات السريعة والمطاعم، ما دفع بالكثير من الشركات إلى الاتجاه إلى الكرتون لأسباب صحية لا تخلو من حنين للماضي.

20