تدوير نفايات فساد النظام السوداني

الاثنين 2014/05/19

يبدو أن النظام السوداني قد بدأ في إخراج ما في جعبته من أوراق حتى لا يفقد الحكم في البلاد، وفي تقارب الفترات الزمنية بين كل ورقة وأخرى يتبين حجم المأزق الذي يمرّ به النظام بعد إحساسه بحقيقة الخطر الذي كان غافلا عنه طول ربع القرن الماضي. فعلى الصعيد الداخلي ارتدت عليه ورقة المصالحة الوطنية التي حاول عبرها اتّقاء شرّ معارضيه خاصة حملة السلاح حتى الفراغ من معالجة المأزق الخارجي الذي وضعته فيه متغيرات المنطقة التي لم يحسب حساباتها جيدا.

فالأوراق الهادفة للمحافظة على تماسك الحزب الحاكم بدءا بالتشظي المدروس الذي هدف لاستنساخه في عدد من الفرق الحزبية الصغيرة حتى لا يخرج عنها خيار الناخب السوداني الذي سيجد نفسه كساقية جحا التي تحمل الماء من البحر لتصبّه فيه، ومرورا بورقة المصالحة الوطنية التي أبقت القوى المعارضة تحت بصره وقدرته ومتناول يده، وانتهاء بسياسة التحلل التي هدف بها إلى طمأنة منسوبيه وإغرائهم بعدم القفز من على سفينته التي بدأت مراحل الغرق، ولما لم تفلح كل هذه الأوراق في تحقيق أهدافها، بدأ الحزب الحاكم يكشف الغشاوة عن عينيه ليجد الخطر محدقا به من كل ناحية، وثقته في القوى المعارضة تعيش أزمة حادّة انتقلت لتصيب ثقته في منسوبيه، وأيضا في مختلف قوى الاتجاه الإسلامي التي انسلخ معظمها عن تحالفه معه وبات يكيل له الانتقادات التي جعلت المزيد من منتسبيه يهمون بالمغادرة، فأخرج ورقة جديدة لمواجهة الآبقين بورقة ليست في صالحه، ولكنه تمكّن من استخدامها بذكاء، وأفلح في شغل القوى المعارضة بهذا الطعم الذي حملته محمل الموضوع الوحيد الذي تستطيع به مخاطبة الشعب اليائس من النظام والمعارضة معا.

بدأت الحكومة تكشف ملفات الفساد، وغامرت برؤوس كبيرة بعضها خارج السلطة وبعضها داخلها، وقد كان مكتب والي ولاية الخرطوم من ضحايا تلك الورقة التي طالت باتهاماتها والي الخرطوم الذي يُعدّ الابن المدلل لدى النظام، وهو ضابط برتبة ملازم لم يتجاوز عمره 24 عاما قام بناء على فتوى (التحلل) بتسليم 48 مليار جنيه سوداني، وعندما هدد بفضح فساد نجل الوالي كما أوردت مواقع الإنترنت السودانية، تمّت محاولة تصفيته داخل السجن عبر تسميمه، ولكنه نجا منها، وابتلعت قوى المعارضة الطعم بتحويلها الضابط المجرم إلى بطل يستحق الحماية والتضامن.

ولا يقل الوضع الخارجي قلقا لنظام الخرطوم، فتسارع الأحداث بالمنطقة فاجأ كل حساباته، وأربكت أحداث الساحة المصرية كل مخططاته، فقد تحققت نبوءته التي تنبأ بها دون أن يحس، فقبل أكثر من عقدين عندما كان النظام في ذروة شبابه حينما بدأ استبدال غير مواليه في الخدمة المدنية بمنسوبيه على نسق الولاءات قبل القدرات والكفاءات، كان النشيد شبه الرسمي الذي أضحى تعويذة وسائل الإعلام السودانية إلى الدرجة التي كاد يطغى فيها على السلام الجمهوري للدولة في ذلك الوقت، يتردد فيه مقطع شهير يقول:

بين ليبيا والسودان والعراق واليمن * وثبة إلى الأمام فوق هامة الزمن

وفي تعايشها مع نبوءة النشيد وجدت الحكومة نفسها تتخبط ميمنة وميسرة، فحلفاء النشيد لا تسمح ظروفهم بطلب المساعدة، ما جعل الحكومة تعيش فترة احتضار قاسية وبنفسها كتبت شهادة وفاة الإنقاذ الذي كانت تتخذه شعارا تمكنت عبره من حكم البلاد، بعدما وجدت نفسها بعد ربع قرن تحتاج إلى من ينقذها.

وبموت المؤتمر الوطني القديم الذي بتر أهم أعضائه عضوا عضوا بدءا بالمشروع الحضاري، ومرورا بالتمكين، وانتهاء بالتخلّص من جنوب السودان ومواجهة بقية الحركات المسلحة وغير المسلحة، يحاول من تبقّى من مخلصيه أن يصنع كائنا جديدا بمواصفات تختلف عن الكائن المقبور الذي ولّى غير مأسوف عليه، وبدأ الكيان الجديد بمغازلة القوى السياسية في طرح الحوار الوطني.

لا تتوقف معضلات الحكومة عند هذا الحدّ، فالأزمة الخليجية التي سحبت السعودية والبحرين والإمارات بموجبها سفراءها من قطر التي احتضنت قادة النظام الإخواني المتأسلم، وضعت الحكومة السودانية في حرج بالغ، فعلاقات الحكومة بالإخوان جعلت معظم الأنظمة الخليجية تنسبها إليها، وهو ما شغل الحكومة بمحاولات نفي تبعيتها لهذا التنظيم الذي حظرته الدول الثلاث باعتباره تنظيما إرهابيا، وفي ذات الوقت زادتها قطر إحراجا بزيارة الأمير القطري الجديد للخرطوم في توقيت لم يجانبه التوفيق بعدما سبقته شائعات قيامه بترتيب مقرّات آمنة لقادة التنظيم الذين وفرّ لهم الرعاية والمنابر.

يواجه النظام ضغوطا دولية مشددة، فمحكمة الجنايات الدولية لازالت تضع رئيسه وعددا من مسؤوليه على قائمة المطلوبين وتقيّد من حرية تحركاتهم التي يحتاجها النظام خلال هذا الوقت العصيب، وهي ورقة لازال النظام الحاكم يحتفظ بها، فقد جرّب استخدامها سابقا عند صدور القرار، وفعلت وقتها فعل السحر في شق الرأي العام حتى بين أوساط المعارضين الذين رأى كثير منهم أن القرار يمثّل استفزازا صارخا للبلاد وليس للحكومة وحدها، وبغض النظر عن الخلاف فإن تسليم مواطن سوداني لمحكمة غير سودانية في اتهام بجريمة ارتُكبت بالسودان يُعدُّ إهانة، خاصة وأن أميركا التي انتشرت صور انتهاكاتها لحقوق الإنسان في أفغانستان وأبو غريب وغوانتنامو، منعت أية جهة غيرها بمحاسبة جنودها، بينما رأى بعض آخر أن النظام القضائي لا يستطيع محاكمة المتهمين وأن المحكمة الدولية وحدها تتمكن من انتزاع حقوقهم.

وتأتي الضائقة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد على رأس مهددات بقاء النظام الحاكم خاصة في ظلّ خواء الخزينة من النقد الأجنبي وانهيار الجنيه السوداني، ما جعل الحكومة تُسارع بسن تشريعات تقضي بمنع تمويل عديد الأشياء التي يمكن الاستعاضة عنها، في إجراءات تقشفيّة صارمة سبقتها بإغلاق المنافذ أمام استيراد السلع التي اعتبرتها كمالية، كما بدأت في تسريب قانون جديد لمكافحة السوق غير الشرعية الموازية في تجارة العملة، واستبدلت الأمين العام لجهاز شؤون العاملين بالخارج، بأمين جديد بدأ مغازلة المغتربين بإطلاق وعود تحفيزية حاول عبرها إغراءهم بتحويل مدّخراتهم إلى البلاد، وغيرها من التحركات التي لم تفلح في وقف انهيار الجنيه السوداني أو دحر الضائقة المعيشية التي أثقلت كاهل المواطن.

يحاول النظام في السودان كتابة ميلاد جديد لنفسه بمحاولة القبض على مختلف الخيوط، غير أن الكثير من قوى المعارضة بدأت تفكّر في فترة ما بعد المؤتمر الوطني اعتمادا على الضائقة المعيشية التي تراهن على تأثيرها في خيار الناخب، بينما النظام يبث شائعة عدم وجود البديل، ترى من سينتصر في خاتمة المطاف؟


كاتب سوداني

9