تذبذب كردي بين التصعيد والتهدئة في الرد على تمرير الموازنة العراقية

 نجاح بغداد في إحباط استفتاء الاستقلال شجعها على التمادي في سياسة فرض الأمر الواقع على أربيل.
الاثنين 2018/03/05
عمليا لا يملك إلا الانحناء للعاصفة حتى تمر

بغداد - وجّهت الحكومة المركزية العراقية بنجاحها في تمرير موازنة العام 2018 على الرغم من الاعتراض الشديد لأكراد البلاد عليها، ضربة جديدة لسلطات إقليم كردستان تجاوزت بكثير بعدها المالي المتمثّل في تقليص حصّة الإقليم من الموازنة، إلى أبعاد ذات طبيعة سياسية مكرّسة لسياسة المغالبة والاستقواء وفرض الأمر الواقع التي أصبحت بغداد تنتهجها مع أربيل منذ الاستفتاء الذي أجراه أكراد العراق في سبتمبر الماضي على انفصال إقليمهم في دولة مستقلّة، وما أعقب ذلك من ردّ عراقي صارم.

ومع تمرير الموازنة “قسرا” وجدت القيادة السياسية الكردية نفسها مجدّدا في موضع العاجز عن فعل شيء عملي يحفظ لها على الأقل هيبتها التي اهتزت في أعين سكّان الإقليم.

ونحت محاولات الردّ الكردي منحيين بدا أنهما متضادّان كمظهر على التخبّط، لكنّ متابعين للشأن الكردي قالوا إنّ الأمر يتعلّق بعملية تقاسم للأدوار تفاديا للحرج أمام الرأي العام، فبينما ذهب زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، وممثلو إقليم كردستان في البرلمان العراقي نحو التصعيد، ملوّحين بالانسحاب من العملية السياسية برمّتها، بدا نيجرفان البارزاني رئيس حكومة الإقليم وهو نجل شقيق مسعود، هادئا خلال ظهوره الأول بعد تمرير الموازنة، مؤكدا استمرار اتصالاته برئيس الوزراء حيدر العبادي.

ضعف إدارة إقليم كردستان بفعل أخطاء قياداته السياسية وتناحرها وتراجع مساندة الولايات المتحدة لها

ويفسر مراقبون التقاطع في المواقف داخل البيت الكردي، برغبة أربيل في عدم تصعيد الموقف مع بغداد في ظل المعاناة الاقتصادية الشديدة التي اختبرها الإقليم الكردي منذ العام 2013 عندما أوقفت الحكومة الاتحادية دفع حصة كردستان من الموازنة، بسبب خلافات بشأن إدارة الملف النفطي.

ودعا مسعود البارزاني القوى السياسية الكردية إلى “موقف موحّد”، من قرار البرلمان تمرير الموازنة من دون الاهتمام بمطالب الأكراد.

وقال إن “ما حصل باسم إقرار الموازنة خرق واضح لمبادئ الشراكة والتوافق والتوازن ومبادئ الدستور واضطهاد مخطط له ضد شعب كردستان”.

ويقول النائب في البرلمان العراقي شاخوان عبدالله إن القوى السياسية الكردية في مجلس النواب اتخذت “قرارا بالانسحاب من العملية السياسية، والعودة إلى الإقليم”.

ويضيف أن “هناك جملة من الآراء طرحت، منها الانسحاب من العملية السياسية، لأنه لم يبق شيء يربطنا مع الحكومة الاتحادية، بعد أزمة كركوك وتخفيض موازنة الإقليم دون أي سند قانوني”. لكن رئيس حكومة الإقليم نيجرفان البارزاني الذي يمسك بزمام الصلاحيات التنفيذية بما فيها المالية في كردستان، كان هادئا لدى ظهوره الأول ليعلق على إقرار الموازنة الاتحادية.

وبالرغم من أن نيجرفان عبّر عن أسفه لوصول الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد بين بغداد وأربيل، إلا أنه قال إنّ اتصالاته مع العبادي مستمرة بشأن ملف الموازنة.

وأوضح “نحن ملتزمون بالشراكة مع بغداد، لكن إقرار الموازنة يظهر عدم التزام بغداد بهذه الشراكة وعدم الاكتراث بمصالح شعب كردستان”، معتبرا أنّ “العراق تأسس منذ البداية على مبدأ الشراكة ووجوب حماية حقوق جميع المكونات لكن اعتماد الأغلبية في إصدار القرارات يضر بالمواطنين”.

ويقول مراقبون إن القيادة السياسية الكردية فتحت الباب أمام عدد من أعضائها لتوجيه الانتقادات الحادة لبغداد، والتلويح بالانسحاب من العملية السياسية، لكنها أوكلت مهمة الحفاظ على خطوط التواصل مع العبادي إلى نيجرفان البارزاني.

ويضيف هؤلاء أن إقليم كردستان يمكنه أن يسد جزءا كبيرا من احتياجاته المالية بالاعتماد على تصدير نفطه بشكل مستقل عن بغداد لكن المشكلة التي تعيق اللجوء إلى هذه الخطة تتعلق بقدرة الحكومة العراقية على ملاحقة أي شركات أجنبية تشتري هذا النفط أو تسوّقه.

ووفقا لذلك فإن السبيل الوحيد أمام كردستان حاليا هو التفاهم مع بغداد للحصول على عائد مالي يكفي لسدّ احتياجات الإقليم مقابل منحها حق إدارة النفط في المناطق الكردية.

ويرى مراقبون أنّ ضعف الإدارة السياسية لإقليم كردستان إزاء الحكومة المركزية العراقية عائد إلى خلافات داخلية شديدة وصلت حدّ الصراع والتناحر بين الفرقاء السياسيين داخل الإقليم، وإلى أخطاء جوهرية وقعت فيها قيادته، لكنّهم في المقابل ينبّهون إلى أن أربيل فقدت السند الدولي الكبير الذي كان متمثّلا بشكل رئيسي في الولايات المتحدة التي لم تستطع بفعل حساباتها المعقّدة في المنطقة ومصالحها مع بغداد وأنقرة أن تقف مع مسعود البارزاني في قضية الاستفتاء وتركته يتحوّل إلى “لقمة” سهل على بغداد المدعومة من إيران وتركيا ابتلاعها بينما شهيتها لا تزال مفتوحة لمزيد إضعاف الإقليم وتقليص حجمه ووزنه السياسي.

3