تذبذب موازين القوى في السودان يؤثر على التسوية السياسية

غياب الثقة بين الأطراف السودانية يعقد الوصول لتفاهمات تضع حدا لأزمة متفاقمة.
الثلاثاء 2019/07/02
طبول المعركة مازلت تقرع بقوة

أعادت تظاهرات الأحد في السودان الاعتبار إلى قوة تحالف إعلان الحرية والتغيير. وقللت من مرارة الصدمة التي تعرض لها بعد فض الاعتصام. وقلصت تقديرات من راهنوا على تفككه بسبب تزايد الانقسامات السياسية بين عدد من أحزابه. واستجابة المواطنين للخروج بأعداد كثيفة أرخت بظلالها على تخفيف حدة اللهجة التي اتبعها المجلس العسكري الانتقالي مع المعارضة، والتفاعل سريعا مع المبادرة الإثيوبية الأفريقية المشتركة.

تتسم العلاقة بين الطرفين بالتذبذب الشديد، الذي يرتبط صعودا أو هبوطا بمجموعة من المتغيرات ترجّح كفة هذا أو ذاك. وعندما يتفوّق الأول يستجيب الثاني لجزء معتبر من مطالبه، والعكس صحيح. ويلعب التوازن النسبي دورا في تحريك الأزمة السودانية، سلبا أو إيجابا، لكنه لا يسمح بأن تصل النتيجة إلى المدى النهائي الذي يريده أحدهما أو يرفضه تماما.

حافظت الأزمة على تأرجحها طوال الأسابيع الماضية، لأن كل جانب يسعى إلى عدم الظهور في صورة المنكسر أو المنهزم. تلك واحدة من العقبات الرئيسية التي جعلت أفق التسوية تتمدّد عليه علامات النجاح والفشل معا.

تماضر الطيب: هناك مخاوف تنتاب البعض من فتح ملفات الفساد
تماضر الطيب: هناك مخاوف تنتاب البعض من فتح ملفات الفساد

وساهم الوصول إلى هذه النقطة في عدم استعجال قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري معا الدخول في مرحلة جادة من التفاوض، أملا في الوصول إلى لحظة حاسمة يستطيع فيها أحدهما فرض شروطه كاملة. وإذا لم تأت سيحظى كل طرف بفرصة لالتقاط الأنفاس يعيد فيها ترتيب أوراقه.

تجاوزت التظاهرات عملية الاحترازات الأمنية التي اتخذها المجلس العسكري في الخرطوم، وفرضت عليه المزيد من الحذر وعدم الاستهانة برسائلها الدقيقة، بعدما تأكد أن القوى المنضوية تحت تحالف الحرية والتغيير لم تفقد فضيلة الحشد ولا يزال تجمع المهنيين قادرا على تحريك الشارع. وهي البوابة التي منحت المعارضة زخما منذ اندلاع شرارة الثورة على حكم الرئيس عمر حسن البشير في ديسمبر الماضي.

انعكست تجليات هذا الاتجاه في العودة إلى تثمين الوساطة الإثيوبية، والتخلي عن الفتور السابق الذي لحق بها، وكاد يؤثر على استمراريتها عندما أوحت تصريحات مختلفة لقيادات عسكرية بأن المبادرة التي تتبناها أديس أبابا غير منصفة أو بعيدة عن الواقع.

كما أن مواقف قوى الحرية والتغيير من سياسات المجلس بدت متذبذبة وجرى تعديلها أكثر من مرة، وانتقلت من تبني فكرة رفع سقف الطموحات والتعويل عليه في البداية بفضل دوره في عزل البشير إلى انخفاضها إلى أدنى مستوى عند فض اعتصام المحتجين أمام مقر وزارة الدفاع في 3 يونيو الماضي بالخرطوم، ثم قبول العودة إلى التفاوض معه بحكم الأمر الواقع السبت الماضي، فلا يُوجد طرف آخر يمكن له تقاسم المسؤولية معه.

خفّضت المراوحة التي ظهرت علاماتها في مواقف متعددة من التوصل إلى تفاهمات تضع حدا لأزمة متفاقمة يمكن أن ينفلت عقالها، أو تدخل في محطات وعرة تضعف فيها فرص الحل المناسب، مع وجود مجموعة كبيرة من التحديات التي تحيط بالبلاد. وبدلا من تحويل المصاعب إلى حافز لتقريب المسافات أصبحت عائقا أمام طرق أبواب التسوية بالجدية اللازمة، لأن كل جانب تسكنه هواجس تدفعه إلى عدم الثقة بالآخر.

تعتقد قوى الحرية والتغيير أن المجلس العسكري لا يريد تسليم السلطة بعد أن تأكدت من تمسك بعض قياداته بتصورات قريبة من أفكار البشير، ما يوحي بوجود ذيول تابعة لحزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقا بين جدران المجلس، تحاول العودة إلى السلطة من الأبواب الخلفية والتمترس وراء إرهاق القوى السودانية ونبذها في الشارع.

وأكدت تماضر الطيب، أستاذة العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدبلوماسية في جامعة الخرطوم، أن المجلس العسكري انقلب فعلا على حكم البشير، ولا يوجد ما يثبت أن الرئيس المعزول ما زال له أتباع وأزلام مباشرين، لكن بعض التوجهات والإجراءات التي يتم اتباعها تصيب بالحيرة وتؤدي إلى الشعور كأن هناك أشخاصا يحكمون عن بعد أو من وراء ستار، ما يضاعف من الشكوك في نوايا المجلس العسكري.

أوضحت تماضر، في اتصال هاتفي مع “العرب” من الخرطوم، أن طريقة تعامل المجلس مع بعض الأحزاب السياسية قريبة من أداء الطاقم السياسي أيام البشير، من حيث الرغبة في الاستقطاب لتفريغ المعارضة من قواها الحية، والاستقواء الأمني في مواجهة التصعيد السياسي، مؤكدة أن “هذه عملية رديئة ومعروفة ولم تعد تنطلي على الشعب السوداني، بعد معاناة طويلة جعلت الخلافات في صفوف المعارضة لها الأولوية وأكثر أهمية من التصدي لممارسات نظام البشير”.

في تقدير الأكاديمية السودانية أن المشكلة الرئيسية في عدم تخلي المجلس عن الكثير من سياسات البشير، عقب تعليق التفاوض في المرة الأولى، من حيل ومراوغات ومناورات، هي أن غالبية القيادات الحالية تربّت على ذلك ويصعب أن تتخلى عن هذا السلوك بسهولة، وهناك مخاوف تنتاب البعض من فتح ملفات الفساد ومحاسبة من تسببوا في وقوع ضحايا جراء فض الاعتصام، لذلك يتم التشدد في تشكيل المجلس السيادي والتهرب أو تأجيل تسليم السلطة للمدنيين، كي يتم الحصول على ضمانات تمنع
وضع قيادات نافذة تحت مقصلة الحكم المدني.

يفكّك كلام تماضر الطيب بعض الألغاز في مسألة التذبذب الظاهر في تطورات الأزمة، ولا يكفي وحده للتفسير، فثمة عوامل أخرى موضوعية ولا تقل أهمية، بينها عدم وجود رؤية سياسية شاملة لدى تحالف الحرية والتغيير، الذي يمتلك عناوين عريضة، لكن كما يُقال الشيطان يقبع في التفاصيل، وكلما تعمق في قضية وجد مطبات في طريقه لا تساعده على المضي قدما في تحقيق أهدافه.

Thumbnail

هناك عقدة مهمة تزيح الستار عن جزء عميق في قضية التذبذب، تتعلق بآلية تفكير المجلس العسكري، فهو أثير رؤية متجذرة في عقل غالبية الجيوش العربية، تقول إنهم “الأمناء الوحيدون على أمن وسلامة أمتهم”. ولم تبارح هذه العقيدة قيادات المجلس العسكري في السودان، وتحكمت كثيرا في درجة الليونة والتشدد في الجولات التفاوضية التي تمت، وفي اللحظات التي بدا فيها المجلس العسكري منحنيا مؤقتا أمام العواصف السياسية يعود إلى سيرته الأولى عندما يستحوذ ويقبض على عدد من أوراق القوة المادية والمعنوية، أو يتصور إصابة الطرف المقابل بالخوار السياسي.

يصب التصعيد الجديد لوتيرة التظاهرات في خانة التذبذب باعتباره سلاحا ذا حدين. ففي الوقت الذي يلعب المحتجون دور رأس الحربة في مواجهة المجلس العسكري، يمكن أن يصبحوا سببا رئيسيا يقود إلى الفوضى، في ظل الاستنفار المتبادل، وتربص بعض الجهات التي لا ترتاح لفكرة التفاهم على قاعدة القواسم المشتركة، لأنها تفضي إلى صيغة ممتدة للحياة، بحكم استجابتها للأهداف الأساسية في الأزمة التي أطاحت بالبشير.

ناهيك عن التعامل مع التنازلات التي يمكن أن يقدمها كل طرف على أنها هزيمة سياسية في حضرة مؤيديه. فتحالف الحرية والتغيير يرى أنه مؤتمن أولا على أهداف الثورة السودانية، وكل تراجع في عدم تنفيذ بنودها يؤثر على مصداقيته في الشارع، ويمنح قوى مناهضة مكانة متميزة.وينظر المجلس العسكري للصورة بطريقة مشابهة، فتنازلات الجيش صعبة وتُفهم أحيانا على أنها بمنزلة التخلي عن الثوابت، ما يجعل المراوحة مستمرة، حيث يتم التبريد عندما تصل درجة الحرارة إلى الغليان، والعكس.

أضف إلى ذلك رمادية العامل الخارجي، الذي لا يقل تأثيرا عن الداخلي، فهناك دول تنحاز لأحد طرفي المعادلة الرئيسية في السودان، وتظهر مكونات الأوزان والميول والمساعدات المباشرة وغير المباشرة على توجهات كليهما، وتبعث بإشاراتها إلى الداخل. وتحوّل هذا المحدد إلى عبء يصلح لتفسير ظاهرة التذبذب التي ترتبط أيضا بمواقف المجتمع الدولي من الأزمة، وصبت معظمها لصالح الحرية والتغيير، دون أن تخلو من تعاطف مع المجلس العسكري في الشق الأمني، وبالتالي فمن الطبيعي أن تتأثر عملية التسوية بمدى التذبذب الذي يلحق بالمواقف، ومن الصعوبة أن تحرز تقدما ما لم تتوقف هذه الظاهرة عن الدوران.

7