تذمر دائم من تردي أوضاع المستشفيات في تونس

يتميز المشهد الروتيني داخل المستشفيات العمومية في تونس بطوابير الانتظار لساعات طويلة وتعطل التجهيزات الطبيّة الضرورية أو عدم توفرها أصلا، إضافة إلى الصراخ المتواصل لمرضى مستائين من رداءة الخدمات والمعاملات، فيما تحاول السلطات التونسية إيجاد حلول لمشكلات أنهكت قطاع الصحة العمومية طويلا. ويرى متابعون أن الفساد يمثل إحدى معضلات هذا القطاع.
الثلاثاء 2017/05/30
معاناة يومية تزيد الأوجاع

تونس – يتذمّر المواطنون باستمرار من تردي الخدمات في المستشفيات العمومية في تونس، ويمثل قطاع الصحة العمومية هدفا لانتقادات وسائل الإعلام رغم أن الدولة ومنذ حصولها على الاستقلال جعلت من تطوير هذه المرافق إحدى أولوياتها التنموية.

وتتكون منظومة الصحة العامة في تونس من 166 مستشفى بينها 35 محلية (في مناطق داخلية) و2100 مركز لتقديم الخدمات الصحية الأساسية، وفق إحصائيات وزارة الصحة.

وأظهرت دراسة حول وضعية هذه المستشفيات أنها “لم تعد تستجيب لاحتياجات المواطنين” بسبب “تراجع” مستوى خدماتها، وتحتاج “إصلاحا عاجلا”.

وقال أسامة قمودي، الطبيب بقسم الطوارئ بمستشفى فرحات حشاد بسوسة لـ”العرب”، إن “الكثير من المرضى يتوافدون يوميا على المستشفى مما يطرح في كل مرة أزمة أماكن شاغرة”.

ويضطر المرضى إلى المكوث في قسم الطوارئ قبل أن يقيموا في قسم يناسب حالاتهم بسبب نقص في الشواغر. ويوضح قمودي “أحيانا يبقون في الانتظار بقسم الطوارئ يوما كاملا وأحيانا تتجاوز المدة ذلك خاصة مرضى قسم الإنعاش لأن القسم يتسع لثمانية أسرة فقط”.

ويظل وضع المستشفيات الجامعية التي توجد في المدن الكبرى والعاصمة أفضل بكثير من الوحدات الصحية الموجودة بالجهات الداخلية. وقال قمودي “في الجهات الداخلية المرضى ليست لهم ثقة في المستشفيات”، مضيفا أنه رغم ظروفهم المادية المتواضعة يستأجرون سيارات لتقلهم إلى مستشفيات المدن الكبرى أملا في تلقي خدمة صحية تناسب وضعهم وتمنحهم العلاج اللازم.

وترى دراسة حول وضعية المستشفيات، نشرت سنة 2016، أن الوضعية التي آلت إليها المستشفيات “خسارة لأحد مكاسب” دولة الاستقلال. ووضعت تونس منذ استقلالها عام 1956 تطوير القطاع الصحي ضمن أولوياتها. لكن منذ التسعينات من القرن الماضي بدأت الخدمات العامة تتراجع، بحسب الدراسة.

ولفتت الدراسة إلى حالة “عدم مساواة” سواء لناحية حصول المواطنين على الخدمات الصحية أو استنادا إلى التوزيع الجغرافي للمستشفيات بين المناطق الساحلية، المحظوظة نسبيا، والداخلية المهمّشة.

وتتمثل المشكلات الرئيسية لقطاع الصحة العام في تونس في تقادم البنية التحتية والتجهيزات وانتشار الفساد وعزوف الأطباء المختصين عن العمل بالمناطق الداخلية، بالإضافة إلى افتقار مستشفيات تلك المناطق إلى معدّات طبية حديثة.

المرضى يضطرون إلى المكوث في قسم الطوارئ قبل الإقامة في قسم يناسب حالاتهم بسبب أزمة الأسرة الشاغرة

وقالت آمال بالحاج، التي يرقد والدها بمستشفى في العاصمة تونس، “لدينا مستشفيات مثل الخِربة. يتعيّن عليها أن نتحمل فيها، إضافة إلى أمراضنا، بؤس المكان والأوساخ وسلوك الموظفين”.

ويرقد والد آمال مع 10 مرضى آخرين بغرفة كست البعض من بقع الرطوبة جدرانها، وظهر الصدأ على أجهزة التدفئة بداخلها. وتثير روائح كريهة منبعثة من دورات المياه وقمامة ملقاة على الأرض اشمئزاز رواد هذا المستشفى.

وقالت كوثر الهذلي المديرة بوزارة الصحة “هناك خدمات نفتخر بها وأخرى تستوجب عناية خاصة”، مقرّة بوجود “نقائص كبيرة” في “حوكمة” المرافق الصحية العامة.

وأضافت أن المؤسسات الصحية العامة تشكو نقصا في الطواقم الطبية (أطباء وممرضين.. إلخ) بنحو 14 ألف موظف.

ولفتت إلى أن وزارة الصحة لم تعد قادرة على تعويض الموظفين الذين يخرجون للتقاعد لأن الدولة أوقفت الانتدابات بالقطاع العام الذي تم إغراقه بالموظفين بعد ثورة 2011.

وأفادت بأن ارتفاع مديونية المستشفيات والتي بلغت العام الماضي 500 مليون دينار (نحو 185 مليون يورو) يعيق السير الجيد لمنظومة الصحة العمومية.

وتنتقد وسائل إعلام باستمرار تردي الخدمات وتقادم البنى التحتية ونقص التجهيزات في المستشفيات العمومية خصوصا.

وكثيرا ما توصف وضعية هذه المستشفيات بأنها “مزرية”. وقالت نبيهة فلفول، المديرة العامة للصحة، إن “هذا الوصم مبالغ فيه جدا”. وأقرت بأن البعض من المستشفيات قديم ويحتاج تجديدا، لكنها شددت في المقابل على الظروف الصعبة التي تعمل فيها الطواقم الطبية. وأفادت بأن هناك “ضغطا كبيرا جدا” على المستشفيات وأن موظفيها يعملون “فوق إمكانياتهم”، معتبرة انتقادات وسائل الإعلام “مدمّرة”.

وتدفع السلطات بأن ارتفاع أمل الحياة عند الولادة من 66 عاما إلى 74 خلال السنوات العشر الأخيرة، يؤشر على تحسن الرعاية الصحية في البلاد.

وقال قمودي إن “قطاع الصحة العام أصبح وكأنه مستهدف”، مستندا إلى ما يقع تداوله في الأوساط الطبية حول محاولات خصخصة الصحة العمومية. وأكد أنه رغم ما يشاع فإن ذلك “لا ينفي وجود فساد كبير وتسيير سيء في قطاع الصحة العمومية بتونس”.

وذكر قمودي قانون النشاط التكميلي الخاص الذي يسمح للأطباء، رؤساء الأقسام في المستشفيات والمبرزين بعيادات خارجية خاصة لمدة يومين في الأسبوع. وأضاف “الهدف من هذا الإجراء هو الحفاظ على الكفاءات الطبية في القطاع العمومي، لكن العديد من رؤساء الأقسام يقومون بتجاوزات” إذ تصبح الأولوية بالنسبة إليهم للمرضى الذين كشفوا عنهم في عياداتهم الخاصة على حساب من يعالجون مجانا.

ودعا شكري بن حمودة، رئيس قسم الطوارئ بمستشفى شارل نيكول في العاصمة تونس، السلطات إلى دعم الموارد البشرية للمستشفيات العامة وضرورة ملاءمة وسائل عملها مع “حاجيات المواطن”. وقال “الصحة لها كلفة لكنها لا تشترى بثمن”.

4