"تراب الماس": رواية جيدة تصنع فيلما جيدا

الكثير من الأعمال السينمائية المأخوذة عن روايات جيدة، أحدثت ضجة في الأوساط الأدبية باعتبارها لونا مختلفا وحققت مبيعات مرتفعة بين جيل الشباب الباحث عن أفكار غير مألوفة.
السبت 2018/08/25
إثارة دون إسفاف
 

يصعب القول إن السينما التجارية قدر محتوم، لأنها تعبر عن استسهال صُنّاع فن يبحثون عن الربح بالدرجة الأولى، لذا لا يمكن التسليم لفكرة اللهاث خلف ما يريده الجمهور من ثيمات شائعة يمتزج فيها العنف بالجنس، وتطغى فيها مشاهد الإثارة على فكرة العمل السينمائي، فالجمهور نفسه يتطور ويتغير ويتفاعل مع الأفكار الجديدة والأعمال الأكثر عمقا.

القاهرة- رغم مقولة غابريال غارسيا ماركيز الشهيرة بأنه لم يشاهد أبدا فيلما سينمائيا جيدا مأخوذا عن رواية جيدة، وإنما هناك أفلام جيدة مأخوذة عن روايات غير جيدة أو العكس، فإن الوضع يختلف كثيرا في العالم العربي نتيجة التقارب الواضح بين الأدب الروائي والسينما.

هناك الكثير من الأعمال السينمائية الجيدة المأخوذة عن روايات جيدة، ربما أبرزها ثلاثية نجيب محفوظ “بين القصرين” و”قصر الشوق” و”السكرية”، والحال نفسه حصل مع رواية “تراب الماس” التي صدرت في العام 2010، وأحدثت ضجة في الأوساط الأدبية باعتبارها لونا مختلفا وحققت مبيعات مرتفعة بين جيل الشباب الباحث عن أفكار غير مألوفة.

ومن هناك، لم يكن غريبا أن يحظى الفيلم الذي بدأ عرضه الأول، الخميس الماضي، ويحمل العنوان ذاته باهتمام كبير، باعتباره عملا ينتمي إلى السينما المستقلة القادرة على إبهار المشاهد واستثارة عقله وإدهاشه دون إسفاف.

ثنائي غير تقليدي

الثنائي الفني مروان حامد كمخرج، وأحمد مراد كمؤلف، بدأ معا قبل أربعة أعوام في فيلم “الفيل الأزرق” المأخوذ عن رواية بنفس العنوان لمراد، وقام ببطولته كريم عبدالعزيز ونيللي كريم وخالد الصاوي، وقدّما العام الماضي فيلما أكثر عمقا بعنوان “الأصليين” يتناول فكرة الرقابة الناتجة عن التطور التكنولوجي المذهل، وقام بالبطولة ماجد الكدواني ومنة شلبي.

أما الفيلم الأخير، “تراب الماس” فيقدّم فكرة تطبيق العدالة على المجرمين والفاسدين خارج إطار القانون، نتيجة ضعف الثقة في مؤسسات القانون الطبيعية في المجتمعات الغارقة في الفساد من خلال وسائل قتل غير تقليدية.

وشهد العرض الخاص للفيلم، والذي حضرته “العرب” ضمن مجموعة من المثقفين والنقاد والأدباء ومحمد نجيب حفيد اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر، تصفيقا حارا بعد انتهاء عرضه تجاوبا مع الفكرة الرئيسية التي تدور حول أسبقية التحرك لتغيير الأحداث.

الفيلم يطرح سؤال: ماذا لو سبق محمد نجيب بخطوة واحدة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وأنهى الصراع لصالحه
الفيلم يطرح سؤال: ماذا لو سبق محمد نجيب بخطوة واحدة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وأنهى الصراع لصالحه

ويعتمد الفيلم في بدايته على استعراض تاريخي مُلخص لقيادة محمد نجيب لثورة 23 يوليو 1952 وأمانيه وأحلامه بدولة عصرية متقدّمة تعتمد الديمقراطية أساسا للحكم، غير أن انقضاض رفاق نجيب عليه وإعفائه من منصبه غيّر وجه التاريخ.

ويعرض الفيلم قصة حسين الزهار، مدرس تاريخ مقعد، يؤدي دوره الفنان أحمد كمال، ويعيش مع ابنه الوحيد، طه، الشاب الصيدلي الذي يجسده الفنان آسر ياسين، وفي ليلة رأس السنة يفاجأ طه بوالده مقتولا قبل أن يضربه شبح في الظلام على رأسه.

ويبدأ طه في إعادة اكتشاف والده ليعرف أنه كان لديه علبة “تراب ماس” ورثها عن مربيه صائغ المجوهرات اليهودي لييتو، ويؤديه الفنان بيومي فؤاد، وأنه استخدمها في قتل الصائغ نفسه من خلال دس التراب في الشاي بسبب اكتشافه عمالته لصالح إسرائيل خلال العدوان الثلاثي.

ويقرأ طه مذكرات والده ليعرف أنه اختار نماذج متنوعة لفاسدين ودسّ لهم التراب في شرابهم لتخليص العالم من شرورهم، مكرّرا فكرة “جواز ارتكاب أخطاء لحماية البشر من خطايا أكبر”.

وهكذا ينفذ صاحب التراب الإعدام السري في الكثيرين، كان آخرهم محروس برجاس، ويؤدي دوره الفنان عزت العلايلي، رجل الأعمال وعضو البرلمان من خلال دس تراب الماس له في الشاي.

ومع الوقت يكتشف طه أن ضابط الشرطة الفاسد وليد سلطان والذي يجسده باقتدار ماجد الكدواني هو مَن أرسل بلطجيا لقتل والده، لأنه رآه بمنظاره وهو ينقل المخدرات.

ويعرف الضابط قصة سلاح القتل السري ويحاول السيطرة على طه وتحويله إلى قاتل مأجور يعمل لصالحه للتخلص من هاني نجل محروس برجاس (الفنان اللبناني عادل كرم) الذي اتهمه بالرشوة وأوقفه عن العمل.

وفي خضم الأحداث يلتقي طه بسارة مُعدة البرامج التاريخية، والتي تعتبر الرئيس الأول لمصر ضحية تأخره خطوة عن زملائه المتآمرين عليه، وتنشأ بينهما قصة حب غريبة.

وتجسد منة شلبي دور سارة لتكرّر ثيمة الفتاة المتحرّرة المقبلة على الدنيا بقلب وعقل منفتحين حتى تصطدم بمنغصاتها، وهي نفس الثيمة التي سبق أن قدّمتها في أفلام مثل “ويجا” و”هي فوضى”.

وتبدو قصة الرئيس الراحل محمد نجيب في الفيلم أساسا محوريا، وتقدّم سارة في برنامجها فكرة تعتمد على السؤال الخيالي: ماذا لو سبق محمد نجيب بخطوة واحدة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وأنهى الصراع لصالحه؟ لتتنبأ بأن ذلك كان سيغير وجه التاريخ تماما.

من هنا يقرّر طه وسارة ضرورة سبق تخطيط الشرطي الفاسد بخطوة كي يُغيرا معا الأحداث للأبد، واعتمادا على سلاح القتل السري “تراب الماس” الذي لا يُكتشف أثره جنائيا يتخلصّان معا من فاسدين وأشرار وقتلة ينشرون قبحا في المجتمع.

أداء متقن

لم يعد تكرار نموذج البطل الأسطوري الخارق الذي اعتاد تجسيده مرارا محمد رمضان يخطف الجمهور، خاصة الشباب منه، الذي يعي جيدا أن العصر القادم بتطوره التكنولوجي يتجاوز فكرة القوة الجسدية الخارقة، ويرتكز أكثر على الذكاء والقدرة على اتخاذ قرارات سريعة، وذاك ما جسّده آسر ياسين في “تراب الماس”، وهو الذي يُهزم في كل معركة جسدية، غير أنه ينتصر في النهاية اعتمادا على العقل.

ويرى البعض أن فهم مروان حامد كمخرج لما يدور في رأس أحمد مراد، حيث تزاملا معا في معهد السينما، يجعله الأجدر على الاقتراب بالعمل من الواقعية المنشودة من خلال التوظيف الأمثل لعناصر العمل، من ممثلين وفنيين ومصوّرين وموسيقيين وغيرهم.

ويتضح ذلك في ديكورات المواقع المختلفة التي صمّمها محمد عطية وتناسبت مع الأحداث، فمنزل مدرّس التاريخ يوحي بروح الماضي والأزمنة الفائتة، وبيت السياسي البرلماني الفاسد برجاس يشع ترفا ولمعانا زائفا، كذلك فإن الموسيقى التصويرية لهشام نزيه جاءت متناغمة مع عناصر التشويق اللازمة والمصاحبة للأحداث.

وكان الأداء التمثيلي المتقن من نصيب ماجد الكدواني الذي عبر بنظراته وملامح وجهه عن قسوة بالغة وشر مستطير، بينما استثمر بيومي فؤاد مكر عينيه في تقديم دور الصائغ اليهودي لييتو الحائز الأول لتراب الماس، فضلا عن الأداء المتميز لآسر ياسين الذي يتشابه كثيرا مع دوره في فيلم “الوعد”، كنموذج لشاب شجاع وذكي وسريع البديهة.

وللفيلم، سبب آخر جعل الجمهور منبهرا به، والذي يكمن في جرأة التناول التاريخي ورد الاعتبار لأول رئيس لمصر، الذي لولا وجوده على رأس ثورة 23 يوليو، لم تكن لتنجح في تغيير تاريخ مصر الحديث، والتعاطف مع “مظلومية” زعيم سياسي تعرّض للغدر من رفاق الكفاح وتم خلعه كأحد اختيارات الناس في مصر، خاصة المنتمين إلى جيل الشباب الفاقد الثقة في الواقفين ضمن معسكر السلطة، والمتشكّكين في الكثير من الأحداث التاريخية، كما ترويها المطبوعات الرسمية. ونُحي الرئيس محمد نجيب عن رئاسة الجمهورية في نوفمبر سنة 1954 بعد عام ونصف العام من رئاسته، وحدّدت إقامته في فيلا مهجورة لنحو 25 عاما.

13