ترابنا الحافل بالجمال والمستبدين

الاثنين 2016/01/25

نبدو شغوفين أحيانا بمتابعة تلك الرابطة الخفية بين الشاعر وقصيدته. ولا أعني بذلك صلة الصانع أو المنتج بما ينتج ويصنّع، فما أقصده شيء آخر تماما. أعني به الروح الداخلية للنص. نكهة الذات المنتجة للعمل الشعريّ، وهي تتسرب، كرائحة غيمة تحترق، إلى شرايين النص ومفاصله. وما أعنيه، أيضا، هو خفقة الـروح البشرية في فضاء الكتابة، ورفيفها الفياض بالبساطة والدفء. ولا يتحقق ذلك بطريقة فذة إلاّ إذا كانت قصيدة الشاعر وليدة وعي مؤلم بكل ما يكتنف الحياة من تصدع وخراب، وبكل ما يسهم في صنع تعاسات الناس أو مباهجهم النادرة. لا أن تكون وليدة لحظة جمالية منفصلة، أو سائبة.

إن انفصالا جماليا، كالذي أشرت إليه، يؤدي بالضرورة إلى انفصال من نوع آخر، يرادفه ويتصل به، لكنه يظل أكثر خطورة وأشدّ رعبا منه، وهو انفصال لا يأتي من ضواحي النص المكتوب أو مناطقه اللغوية المحسوسة. ولا يأتي من مستلزمات الحرفة أو مكملاتها، بل يأتي من جهة الوعي هذه المرة، الوعي بكل تموجاته وأصعدته. الوعي بجدوى الكتابة أو عبثيتها، الوعي بمكابدة البشر أو حلمهم بالتغيير، ثم الوعي بالحياة وما تحفل به من بطش أو جهل أو ريبة. وهكذا تكون القطيعة بين الشاعر ووعيه مدعاة لعواقب فادحة، وعصية على الإصلاح في حالات كثيرة. أولاها، وأهمها أن الشاعر سيكتب قصيدة قد تكون طارئة، ومدعية وعديمة الوفاء.

قد تجد شاعرا لا يتطابق مع قصيدته، وهو أمر قد يكون مألوفا على امتداد تاريخنا الشعري الذي يمدنا بالوفير من الأمثلة على ذلك. لكن عدم الانسجام هذا يتفاوت في العنف أو الدرجة، ويختلف في الدوافع والمحفزات. وهو في كل هذه الحالات لا يكون إلاّ تنازلا عن وعي اللحظة، أو إخلالا بهذا الوعي، وخيانة له.

وربما يبلغ هذا التنازل عن لحظة الوعي درجته المفزعة في مثال يبعث الغصة في النفس، حين يتنازل الشاعر عن حصته في صياغة الوعي اليوميّ، الجماليّ الصافي والمشرّف لبسطاء البشر، من المعدمين، أو الحالمين، أو الضحايا. هؤلاء الذين يتوجه إليهم بقصيدته، بشهادته الجمالية والإنسانية. بصرخته البليغة المفجوعة، وهو يشاركهم عذابهم البطوليّ والنادر، وهو يتماهى مع إحساسهم بالعجز والهوان، ومع القهر الذي يملأ الأزقة والحناجر المجرحة.

وزماننا الراهن يجود علينا، كل لحظة، بالكثير من الدماء التي تجاوزت قدرة اللغة على التحمل كما قال محمود درويش ذات يوم، ومن الكوارث التي فاقت ما وعته الذاكرة الإنسانية من أمثلة صارخة على جبروت الإنسان على أخيه، وعلى قلة مروءته، وتمكن غريزة الانتقام منه.

كثيرة هي العوامل التي صنعت هذه اللحظة المريرة من تاريخنا العراقيّ: أولها وأهمها غياب الانتماء لهذا التراب الحافل بالثروات والجمال والمستبدين، حتى وجدنا ذواتنا فجأة أمام كيان خلقته الصدفة أو غفلة التاريخ. لكن تلك الغفلة أوالصدفة كانت من نمط خاص، تعاونت على صنعها قوى شتى وحقب طويلة من الدهاء والصبر اللئيم، واختير لها زمن استثنائيّ في نذالته، كي تبدو وكأنها صدفة الصدف جميعا، تلقائية ومن صنع محليّ خالص.

لقد رصدت القصيدة العراقية، وفي الكثير من نماذجها، هذه اللحظة الفجائعية الشاذة، غير أن طبقات بالغةَ الرثاثة لا تزال قابعة هناك، في حقول الظلام، بعيدا عن نار الشعر وبروقه الكاشفة. لا بد للشاعر، إذن، من مواجهتها جماليا وإنسانيا وفكريا. إن ظلاما بهذه الكثافة يتطلب قصيدة قادرة على خرق الظلمة، وخلخلة كثافتها المريرة، ولا بدّ من الشعر، لا بدّ من الانتماء إلى الأرض، ولا بدّ من صناعة الجمال الرفيع في شمائله الفنية الثاقبة، والمترفع عمّا يضعف آدميتنا، أو يعود بنا إلى الدرك الأسفل من الهمجية والتخلف وصراخ القطعان الزاحفة إلى حياة لا حياة فيها.

شاعر من العراق مقيم في الإمارات

14