تراجع أسعار النفط يجبر قطر على تحويل نظرها من الخارج إلى وضعها الداخلي

تراجع مداخيل قطر المرتبط بانخفاض أسعار النفط بصدد التحول من أزمة عابرة إلى معضلة تضطر القيادة القطرية للخروج عن صمتها والتفكير بصوت عال في مواجهتها، خصوصا أن طموحات الإمارة الخليجية في لعب أدوار إقليمية، مرتبطة عضويا بقوّتها المالية وقدرتها على الإنفاق بنسق مرتفع.
الخميس 2015/11/05
الصمت لم يعد يجدي إزاء أزمة آخذة في التجسد على أرض الواقع

الدوحة - أخرجت أزمة أسعار النفط القيادة القطرية عن صمتها، حيث نبّه الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كلمته بمناسبة افتتاح دور انعقاد جديد لمجلس الشورى إلى توخي “الحيطة والحذر”، في إشارة إلى جدّية التهديد الذي يمكن أن تواجهه الإمارة الثرية بفعل تراجع مداخيلها المالية، المعتمدة أساسا على بيع الغاز الذي تمتلك منه احياطيا ضخما.

وكما ينذر تراجع المداخيل بخروج قطر من مرحلة “المال السهل” والبحث عن بدائل لتنويع الاقتصاد، وهي عملية معقّدة تتطلب جهدا ووقتا، فإن لذلك تبعات اجتماعية محتملة، حيث أن الفرد القطري الذي تعوّد على درجة عالية من الرفاه، سيجد نفسه -في حال بقاء أسعار النفط على حالها، فضلا عن إمكانية تسجيلها تراجعات جديدة- مضطرا للتضحية بجزء من مستوى عيشه المرتفع وتحمّل أعباء ضريبية لم يعهدها.

ووفق الخبراء، فإنه من المبكّر الحديث عن تأثير تراجع المداخيل القطرية على سوق الشغل وارتفاع نسبة البطالة، لكن ذلك يظلّ أمرا وارد الحدوث في المدى المتوسّط في حال وجدت قطر نفسها مضطرة للتخلي عن مشاريع كبرى خصوصا في مجال الإعمار، تحت ضغط شحّ الموارد.

وترتبط بمسألة التراجع في مداخيل النفط، قضية لا تقل حيوية بالنسبة إلى قطر تتمثّل في طموحات هذه الدولة الخليجية في لعب أدوار إقليمية، وحتى دولية، معتمدة بالأساس على قوّتها المالية التي وفّرت لها بعض الحلفاء عبر الإقليم والعالم.

كما جعل لها إنفاقها الكبير على وسائل الإعلام والدعاية، صوتا مسموعا تخاطب من خلاله طيفا واسعا من المتلقّين وتمرّر عبره منظورها لعدة قضايا، وتدعم به أطرافا تراهن عليها لتغيير الأوضاع في بعض البلدان في الاتجاه الذي تراه يخدم طموحاتها، مثل جماعة الإخوان المسلمين التي تمثّل قناة الجزيرة القطرية منبرها الأساسي.

وكانت إدارة القناة المذكورة قد عمدت في شهر سبتمبر الماضي إلى فصل المئات من موظفيها بين محررين وتقنيين ومخرجين في إجراء ربطته مصادر بالضغط على المصاريف.

صعوبة التمادي في الرهان على عامل الإبهار ومواصلة الصرف بنفس المستوى على وسائل الدعاية ومنابر الإعلام

ولعبت قطر خلال السنوات الماضية على عامل الإبهار من خلال السعي وراء احتضان المناسبات الكبرى وخصوصا الرياضية منها على غرار كأس العالم الذي رصدت لإقامة منشآته ميزانية ضخمة تم ضبطها في سنوات الوفرة وفي ضوء ارتفاع المداخيل، وسيكون التمادي في ذلك خلال سنوات الانكماش والتراجع أمرا مرهقا لميزانية الدولة القطرية.

ورصدت قطر 200 مليار دولار لصرفها على إنشاء البنى التحتية الخاصة باستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، حسب تقرير سابق أعدته إدارة مؤسسة ديلويت المتخصصة.

وجاء في التقرير أنه فضلا عن التجهيزات ذات الطابع الرياضي الصرف، سيتم رصد 140 مليار دولار ستخصص للبنى التحتية في مجال النقل من مترو ومطارات وطرقات. كما سيتم استثمار نحو 20 مليار دولار في القطاع الفندقي.

وتأمل قطر من خلال احتضان هذه التظاهرة العالمية تدعيم قطاع السياحة، في سياق عملها على تنويع مصادر دخلها، والتقليل من الاعتماد على عائدات الغاز، لكن خبراء يشككون في المردودية الحقيقية لذلك في ظل وجود وجهات سياحية أكثر جذبا وأكثر خبرة في المجال السياحي بما في ذلك ضمن دول الخليج.

ويبقى من المؤكّد وجود هدف دعائي قوي للإمارة الخليجية وراء احتضان التظاهرة، لكن مثل هذه الأهداف قد يصبح ترفا لا تسمح به الظروف خلال السنوات القادمة.

واختار أمير قطر الشيخ تميم بن حمد أسلوب الواقعية للتنبيه إلى وجود مشكلة حقيقية تتعلق بأسعار النفط، الأمر الذي اعتبره مراقبون عملية توطئة لاتخاذ إجراءات تهدف إلى التكيف مع الوضع الجديد، وتهيئة المواطن القطري نفسيا لتحمّل أعباء مرحلة تلوح صعبة.

وقال الشيخ تميم في افتتاح دور الانعقاد العادي الرابع والأربعين لمجلس الشورى “إني لا أخفي عليكم، أن هذا الانخفاض الكبير والمستمر في أسعار الطاقة يدعو إلى الحيطة والحذر. وأؤكد هنا، يدعو للحيطة والحذر وليس للخوف. والفرق مهم، فالحذر واقعي ومفيد في السياسات العامة، أما الخوف فغير واقعي ومضرّ، ولا يساعد على وضع السياسات الصحيحة، إذ يشيع مناخات تؤثر هي بذاتها سلبا على الاقتصاد والاستثمار، فيصبح مثل نبوءة كاذبة تحقق ذاتها”.

وأضاف “يجب أن يدفعنا الحذر إلى مصارحة بعضنا، وإلى التكاتف في مواجهة التحديات، وإلى اليقظة ورفض المسلكين المتطرفين الفزع غير المبرر من جهة، وخداع الذات الذي يتمثل في تجميل الواقع لإرضاء النفوس، من جهة أخرى”.

وذكّر أمير قطر، ضمنيا، بأزمة حادّة كانت بلاده قد شهدتها أواسط التسعينات قائلا “سبق أن مررنا بما هو أصعب من هذه المرحلة حين لم يكن الاقتصاد القطري على هذه الدرجة من التركيب، ولم تكن صناعة الطاقة في بلادنا على هذه الدرجة من التطور”.

وكان الشيخ تميم أكثر وضوحا في إشارته إلى أنّ سكان الإمارة سيتعيّن عليهم في فترة لاحقة تحمّل جزء من تبعات أزمة تراجع المداخيل، قائلا إنّ “المفتاح لعبور هذه المرحلة بسلام هو أن يدرك كل منا أنه كما استفاد في مراحل النمو السريع وارتفاع أسعار النفط، فإن عليه أن يحمل أيضا معنا مهامّ المرحلة ومسؤولياتها وأعباءها”، مضيفا “مشاركة كلّ حسب قدرته في حمل العبء أمر فيه إنصاف، وليست عند المواطن مشكلة في المساهمة، حين يشعر أن ثمة إنصافا في الأمر”.

3