تراجع الامبراطوريات ينبئ بسقوطها، هل تصنع الولايات المتحدة الاستثناء

تجلت آخر أعراض الشكوك البريطانية المتزايدة في مدى إمكانية حفاظ الولايات المتحدة على زعامتها للعالم، من خلال القرار البريطاني القاضي، مؤخرا، بالانضمام إلى البنك الاستثماري الآسيوي في البنية التحتية، الذي يوجد مقره في بكين، على الرغم من معارضة واشنطن لذلك، وفق مقال صادر بصحيفة "فايناشيال تايمز" للكاتب جيدون راشمان، يتناوله الأكاديمي البريطاني إيان موريس بالنقد، في دراسة صادرة عن مركز ستراتفور، من منطلق أنه يتناول قضية هامة تطرح سؤالا محوريا مفاده؛ ماذا يمكن للمتنبئين الاستراتيجيين التعلم من التاريخ؟
الجمعة 2015/05/08
الصين تتربص لتطيح بنظام هيمنة القطب الواحد الأميركي

واشنطن- يجادل جيدون راشمان، في مقال له صادر بصحيفة “فايناشيال تايمز”، بأنّ الثلاثي القائل بـ”نظرية الانحطاط” (ويقصد هنا إيان موريس والمؤرخين الشهيرين بول كيندي ونيال فرغيسون)، ساهم في تعميق الشكوك البريطانية المتعلقة بمدى إمكانية حفاظ الولايات المتحدة على زعامتها للعالم، لأنّه “كثيرا ما يكون على عاتق الأكاديميين البريطانيين المقيمين في أميركا لعب دور ‘الداخلي – الخارجي’ في التعليق على انحطاط القوة العالمية البارزة، ألا وهي الولايات المتحدة”. وأضاف أنّ ذلك عائد إلى أنّه “من المُمكن أنّ الأساتذة البريطانيين المقيمين في أميركا لديهم الخليط الصحيح من المعرفة والموضوعية لتكون لهم رؤيا غير ضبابية لمستقبل أميركا. وفي المقابل من الممكن أيضا أنهم يبالغون في إسقاط مصير الإمبراطورية البريطانية”.

اختيار أحسن التشبيهات

للإجابة على سؤال؛ ماذا يمكن للمتنبئين الإستراتيجيين التعلم من التاريخ؟، يقول إيان موريس إنّ أول خطوة لذلك تستوجب التمييز بين التشبيهات الرسمية والعلائقية. ويوضّح أنّ التشبيهات الرسمية تقارن نقاط التشابه بين حالة مفهومة جيدا مثل الإمبراطورية البريطانية، وحالة مفهومة بشكل أقل مثل الهيمنة الأميركية في الوقت الحاضر. ثم وعلى أساس أوجه التشابه هذه، يتوقع المنطقيون طرقا أخرى يمكن بها أن تكون الحالة الثانية مشابهة للأولى كذلك. وفي المقابل، تركز التشابهات العلائقية على النماذج الموسعة التي تربط بين عدة حالات.

وبالوقوف على الفرق بين هذين التّشبيهين، يمكن لعلماء المنطق حينها أن يبحثوا ليس فقط على الاتجاهات العامة التي يمكن أن ترينا إلى أين تتّجه الأحداث الراهنة، بل وكذلك عن الفُروق بين الأمثلة التي يُمكن أن تشير إلى إمكانية انحراف الحالة المدروسة عن المسار العام بشكل كبير. وعلى الرغم من أن تشبيها رسميا بين النظام العالمي الراهن والإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، بالتأكيد أسهل من القيام بتشبيه علائقي بين النظام الحالي وكل الأنظمة الدولية السابقة، فإنّها أيضا معرضة بشكل كبير للمبالغة في إسقاط حالة وحيدة، وهو المشكل الذي انتقده راشمان في مقاله.

الهيمنة الأميركية ربما تنهار في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أو تتآكل بفعل الشك في الذات

لكن إذا ألقينا نظرة، عوضا عن ذلك، على الهيمنة الأميركية في سياق الخمس آلاف سنة من تاريخ أنظمة الدّولة، بدل مقارنتها بالإمبراطورية البريطانية، نشرع في ملاحظة انتظام واضح؛ فكل إمبراطورية أو تحالف سابق، أو أيّ عبارة نرغب في استخدامها للنظام الأميركي الراهن، كان مآلها التّدهور والسّقوط في نهاية المطاف من دون استثناء. وكما أشار جورج فريدمان، مؤخرا، ربّما تكون الهيمنة الأميركية أقوى هيمنة شهدها العالم، لكنّها تخضع هي الأخرى إلى الحدود نفسها التي خضعت لها سابقاتها.

وهذا لا يعني أن انحطاط أميركا مؤكّد، إذ بيّن لنا التاريخ كذلك بأنّ لا شيء محتوم، لكن بعض الأشياء وشيكة جدّا. ويُشير صعود وسقوط الإمبراطوريات في اتجاه استنتاجين عامين، يتمثل الاستنتاج الأول في أنّنا يجب أن نطالب بدليل قوي جدا بين استنتاج أن أميركا ستتحدى الاتجاهات التي حكمت جميع الأطراف الأخرى على مدى الخمس آلاف سنة الماضية، والثاني يتعلّق بالسؤال المهم المطروح والذي لا يرتبط بفرضية انحطاط الهيمنة الأميركية من عدمه بقدر ما يتساءل عن الظروف التي يمكن أن تحيط بذلك الانحطاط.

ثلاثة تأويلات للتاريخ

في مؤلفه الكلاسيكي الصادر في سنة 1987 بعنوان “صعود وانهيار القوى العظمى”، جادل بول كنيدي بأنّ القوى العظمى الغربية منذ سنة 1500 للميلاد، انقادت إلى ورطات استراتيجية موسعة بشكل متزايد أجبرتها على إنفاق المزيد من منتوجها الداخلي الخام على الدفاع ممّا ساهم في نقص الاستثمار الوطني. وكانت نتيجة هذه الحلقة هي نفسها غرق قوة عظمى في التردي الاقتصادي النسبي، حيث يصبح خصومها أكثر جرأة وتتعرّض إلى المزيد من التّحدي ممّا يؤدّي إلى إفلاسها بفعل كثرة الحروب الكبرى، وفي نهاية المطاف تصعد قوة عظمى أخرى لتأخذ مكان القوة السّابقة.

خطوات الحلفاء نحو الصين تطلق صفارة إنذار للأميركيين

وعندما نُشر كتاب كنيدي لأوّل مرة، مال بعض القراء لتحويل تشبيهه العلائقي إلى تشبيه رسمي مُعطين الولايات المتحدة الراهنة دور بريطانيا في سنة 1910 في الوقت الذي كانت فيه سيادتها على وشك الانهيار. لكن ذلك، وفق موريس، كان مفرطا في التبسيط لأنّه تغاضى عن الفروق بين الحالتين الأميركية والبريطانية، وهي فروق جلبت ازدهارا بدلا من الكساد في التسعينات من القرن العشرين، وجلبت انهيارا للاتحاد السوفييتي بدلا من انهيار أميركي، ولكن هذه الانتصارات لا تعني أن الولايات المتحدة فنّدت بشكل نهائي اتجاهات الإمبراطوريات، بل هي تعني فقط أنّها عاشت لتقاوم يوما آخر.

وبعد سنة واحدة من ظهور كتاب كنيدي، قدم عالم الآثار جوزيف تينتر، رواية مختلفة جدا عن سقوط الإمبراطوريات في كتابه “انهيار المجتمعات المعقدة”. حيث أنّه يرى (بالرجوع إلى روما) أنّ فقدان الثقة داخل النخبة الإمبريالية تسبّب في انهيار الإمبراطوريات. وفي كتابه الحديث بعنوان “الإمبراطورية والحضارة” حدد فرغيسون بدوره نفس القوة المحرّكة في كل من بريطانيا القرن العشرين وأميركا القرن الواحد والعشرين، ولاحظ أنّه بحلول العشرينات من القرن العشرين، أنّ رجالا أمثال جورج أوروال وهاري سينت جون بريدجر فيلبي (والد الجاسوس كيم فيلبي)، وإ.م. فورستر -وهم رجال ربما كانوا قد سخّروا حياتهم لخدمة الإمبراطورية في العصر الفكتوري- ابتعدوا عن مواقعهم مشمئزين من المشروع برمته.

ويرى فرغيسون نموذجا مماثلا بين النخبة الأميركية في العقد الحالي، مستنتجا ما يلي: “ربما لا يكمن التهديد الحقيقي في صعود الصين أو الإسلام أو انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بل هو يكمن في فقدان الإيمان بالحضارة التي ورثناها عن أسلافنا”.

هذه المسارات التفسيرية لما يخبر به التاريخ عن مستقبل أميركا، يقول موريس إنّها مختلفة عن نظرته للأمور، لافتا إلى أنه في كتابه الذي يحمل عنوان “لماذا يحكم الغرب الآن” درس الفترة التي تمتد إلى العشرين ألف سنة الماضية، وأكثر ما أذهله هو التفاعل بين الجغرافيا والتطور الاجتماعي، حيث أنه في القرنين السادس عشر والسابع عشر مكّن ارتفاع مستويات تطور الأوروبيين الغربيين من تحويل المحيط الأطلسي من حاجز للحركة إلى طريق سريعة. وفي القرن التاسع عشر جعل تحكم بريطانيا في تلك الطريق السريعة منها القوة العالمية الأولى. لكن مع زيادة سرعة التطور استمر معنى الجغرافيا في التبدّل، ومع بداية القرن العشرين أزاحت الولايات المتحدة المملكة المتحدة من قمة الهرم، وبحلول القرن الواحد والعشرين أصبح المحيط الهادئ الطريق السريعة الجديدة للعالم، ممّا دفع بالتطور الآسيوي الشرقي إلى الأمام ومكن الصين من تحدي الهيمنة الأميركية.

بحلول القرن الـ21 أصبح المحيط الهادئ الطريق السريعة الجديدة للعالم، مما دفع بالتطور الآسيوي الشرقي إلى الأمام

ويتوقع موريس وفق وجهة نظره تلك أن تبقى الولايات المتحدة بلدا لا غنى عنه لجيل آخر وربما جيلين لكن ربما ليس ثلاثة، مشيرا إلى أنّ صعود الشرق ليس الدينامية الوحيدة التي يجب التفكير فيها عند توقع البنيات المستقبلية للقوة، فمع زيادة التطور الاجتماعي أكثر فأكثر، تشرع الثورات في علم الجينات والحوسبة والروبوتات وتكنولوجيا النانو في إعطاء مفعول لتكويننا البيولوجي، مما يحدث تحولات في ما معنى أن تكون بشرا. وبتسارع تلك التغييرات قد يصبح النقاش القديم حول ما إذا كانت أميركا هي الأولى عالميا، نقاشا غير ذي صلة.

الدرس الصحيح

إن مقارنة التنبؤات المختلفة توحي، وفق موريس، بأنّه يمكن للمتكهنين الاستراتيجيين تعلم شيئين من التاريخ؛ أولا، بما أنّه لا أحد يقدر على التنبؤ بالمستقبل بدقّة، يمكننا في بعض الأحيان فهم احتمالات مختلف النتائج. (من الممكن أن تكون الهيمنة الأميركية، مثل مملكة السماء، أبدية لكنها من المحتمل ألا تكون كذلك)، وثانيا، يستفيد المتنبّئون أكثر من التاريخ ليس عندما يسألون الخبراء عن الجواب على سؤال ما، بل عندما يدركون الاختلافات في الرأي بين الخبراء ويبحثون عن الأسباب التي تكمن وراءها، إذ ربما تنهار الهيمنة الأميركية في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، أو تتآكل بفعل الشك في الذات، أو ربما تدوم ستة أو سبعة عقود أخرى، موجهة العالم عبر انتفاضات ثورية. ولذلك فعن طريق التفكير في عيوب استنتاجات المؤرخين، يتعلم صانعو القرار بحق من الماضي.

ليخلص موريس، إلى أنّ الدرس الصحيح الذي يجب تعلمه من التاريخ، هو أنّه وقبل يوم من ظهور مقال راشمان، كتب وزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرس في مدونته عن قرار بريطانيا القاضي بالانضمام إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، مشددا على الخيارات المفتوحة أمام أميركا بالقول إنّ “المهم هو أن أحداث الشهر الماضي سيراها المؤرخون في المستقبل ليس كنهاية لحقبة بل كصفارة إنذار مفيدة”.

6