تراجع الحلم العربي

الخميس 2016/01/07
من الربيع العربي إلى الربيع الدامي

يعجبني كثيرا مصطلح “الربيع الدامي” بديلا عن “الربيع العربي” الذي فرضته الصحوة العربية الشعبية منذ نهاية عام 2010، ليس لأنه تعبيرا حقيقيا عن الواقع الذي أرسته الثورات المضادة، وأجهضت به أحلام الناس وآمالهم في غد أفضل، وحياة كريمة، بل لأنه تعبير حقيقي عن بُعد وخروج الثقافة العربية بكل مفرداتها من المشهد، من البدء إلى المنتهى، من الربيع العربي إلى الربيع الدامي، ومن الفرحة الشعبية إلى الهيمنة السلطوية.

إنه مصطلح يكشف النقاب عن تبعية الثقافة العربية المريرة والمُذِلة للسلطة، وبُعدها السحيق عن نبض الناس، وذهنية المجتمع التي تمثل حقل عملها الأساسي، وبالتالي يكشف عن هشاشتها في مواجهة المشهد السياسي الغاشم، والمسيطر، فما الذي يمكن أن ننتظره من ثقافة هذا حالها؟ أليس منطقيا جدا في هذا السياق أن تكون المُراجعة الوحيدة التي قامت بها الثقافة العربية هي كيفية الحفاظ على مكتسباتها السابقة، ليظل الحال على ما كان عليه، ثقافيا كما الحال اجتماعيا وسياسيا أيضا.

هناك الكثير من الظواهر الثقافية التي استجدّت على الساحة الثقافية، غير أنه من الصعب القول بأنها جاءت استجابة لتحديات ما، فالتحديات تعني التقدم إلى الأمام، والارتماء في حضن المغامرة بغية القفز نحو المستقبل، أما ما حدث فلم يكن سوى تكريس لما هو قائم بالفعل، واتساق تام مع ما آلت إليه الأمور من تراجع للحلم العربي، منها على سبيل المثال جائزة كتارا التي توسم فيها الكثيرون خروجا عن منهجية الجوائز المماثلة، خصوصا بعد أن فقدت جائزة البوكر الكثير من مصداقيتها لأسباب كثيرة، غير أن كتارا جاءت على نفس الآليات، ونفس النهج من اللهاث خلف الأسماء الموجودة فعلا، وافتعال التوتر الإعلامي، فارتدت ذات الرداء الباهت.

كما كانت هناك محاولات قوية لتسليط الضوء على فن القصة القصيرة جدا، ربما كبديل عن هيمنة الرواية، إلى الدرجة التي رصدت معها وزارة الثقافة المصرية إحدى جوائز الدولة لهذا الفن، ربما بلا جدوى.

هناك الكثير من الملامح التي أضافتها ثقافة الشارع الثورية إلى الثقافة العربية عقب الربيع العربي، لعل أهمها من وجهة نظري ملمح الحرية، فالكتابة الأدبية العربية الآن تتمتع بقدر من التفكير الحر أثناء الكتابة، صحيح أنه غير كاف حتى لكتابة حرة، لكنه يتقدم خطوة عن السابق، فلم يعد التابو (الدين، الجنس، السياسة) مسيطرا على ذهنية المبدع بذات القوة السابقة.

هناك الكثير من الروايات التي سعت إلى رصد المشهد السياسي المتغير، وقدرته على إحداث التحول الاجتماعي، خصوصا في العامين اللذين أعقبا زمن انطلاق الثورات العربية مباشرة، لكن الآن وبعد مرور أكثر من أربعة أعوام، عادت الرواية العربية إلى سابق عهدها لتتمحور موضوعاتها حول الذات، والجريمة، والحب، والبحث عن غرائبية مفقودة.

لم تُحدث المتغيرات السياسية أيّ قدر إيجابي من التأثير على المنتج الثقافي، فالثقافة العربية لم تنتج مع العام الذي ودّعناه، على خلفية السنوات الخمس الماضية، سؤالا فكريا ثقافيا عربيا جامعا، وإذا كنا نتحدث عن آفاق المستقبل، أو حتى التحرر من قبضة الماضي القريب قبل البعيد، فالحال عاد إلى ثباته القديم، وبشكل باهت، لكن حالة الكشف الآني، التي تمّ رفع النقاب عنها، غرست سؤال الحرية، وهو سؤال لم تزل محاولات حركته تحت الأرض تعمل دؤوبة للخروج إلى الحياة.

روائي

15