تراجع المنظومة الأردوغانية يلقي بظلاله على السياسة الخارجية

أكّد خبراء أن تداعيات الانتخابات البرلمانية التركية سوف تتجاوز الحدود التركية، ومن المتوقع أن تؤثر بشكل كبير على قضايا حيوية في المنطقة، كانت لأنقرة اشتباكات سياسية واضحة معها، مثلما ستؤثر على السياسة الداخلية، على الأقل إلى حين توضّح صورة المشهد السياسي في تركيا بعد أن وضع الاستحقاق البرلماني حدا لـ 13 عاما من تفرّد حزب العدالة والتنمية بالحكم.
الأربعاء 2015/06/10
العثمانيون الجدد ينقلبون على تراث أتاتورك ليعيد مجد سلاطين الباب العالي، فلم يكسبوا سوى الفشل

أنقرة - دخلت تركيا مرحلة الـ45 يوما، التي ستجري خلالها المداولات لتشكيل الحكومة الجديدة. ويتوقّع المراقبون على ضوء هذا الوضع الذي فرضته نتيجة الانتخابية البرلمانية، وفشل حزب العدالة والتنمية في الحصول على أغلبية الأصوات، أن يلقي الوضع بظلاله على السياسة الخارجية التركية، إلى حين تحديد ملامح المشهد السياسي القادم في البلاد.

لكن، ذلك لا يعني تغييرا في الخطوط العامة للسياسة الخارجية التركية تجاه عدد من القضايا الاستراتيجية، خاصة وأن حزب العدالة والتنمية مازال يحتكر المشهد، في ظلّ توقّعات بتواصل الخلافات حول الحكومة الائتلافية واحتمال إجراء انتخابات مبكّرة.

وفي هذا السياق، لا يتوقّع الباحث اللبناني مكرم رباح أي تغيير كبير في السياسة الخارجية التركية خصوصا بالنسبة إلى سوريا. ويشير إلى أن تصويت الشعب التركي في الانتخابات البرلمانية “يعكس الموقف الداخلي من جملة استحقاقات داخلية تتعلق بتغيير طبيعة النظام، لكنها ليست مرتبطة بالسياسيات الخارجية”.

ويوضح الباحث مكرم رباح قائلا “صحيح أن العدالة والتنمية لم يستطع الحصول على الثلثين لكنه لم يخسر”، ويضيف أن الحزب “ما زال صاحب الغالبية في عدد النواب وهذا يعني أنه ما زال قادرا على تشكيل الحكومات والتأثير في انتخاب رئيس للبلاد”.

ولا يؤيد الباحث ما ذهب إليه البعض من أن ما حدث في الانتخابات الأخيرة “هو هزيمة للمشروع العثماني في السياسة الخارجية”، موضحا أن “أردوغان يتمتع بحرية الحركة خارجيا لأنه يتصرف على أنه إسلامي أكثر منه قوميا، وبالتالي سيبقى هو من يقرر السياسة الخارجية من دون التأثر بالانتخابات ونتائجها، خصوصا أنه سيستفيد من الهدنة الحالية بين الإخوان المسلمين والسعودية حيث اعتبر الطرفان أن الأولوية هي لمواجهة المد الشيعي”.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتمتع بحرية الحركة خارجيا لأنه يتصرف على أنه إسلامي أكثر منه قوميا

وشدد رباح على أن “للنتائج تأثيرات على أردوغان من ناحية سياسته الداخلية من مشاريع وتشريعات وتطهير في الجيش”، موضحا أن “الناخبين الأتراك لم يصوتوا بناء على خيارات السياسة الخارجية بل لأسباب داخلية تتعلق بأمور داخلية، وقد أثبتت الانتخابات نهجا وثقافة ديمقراطية راسخة” في تركيا. وجدد تأكيده على أن “موضوع السياسة الخارجية لم يكن هو الأساس الذي صوت عليه الأتراك”.

تقلص الاهتمام

من جانبه توقع الباحث المتخصص في الشأن التركي ميشال نوفل، أنه “يفترض بهذه الانتخابات أن تترك أثرا على السياسات الخارجية للبلاد لأن هذه الأخيرة ترتبط بالتوازنات الداخلية، وهذا التوازن سيتغير الآن لأن أردوغان فقد الأكثرية المطلقة وبات لا يملك إلا خيار الحكومة الائتلافية أو انتخابات مبكرة”.

وأضاف نوفل قائلا “برأيي ما قام به الرأي العام التركي هو تصويت عقابي حيث بعث برسالة واضحة لأردوغان، برفض تغيير النظام البرلماني إلى رئاسي أو القيام بما هو عكس الديمقراطية التركية من خلال محاولة شخص واحد جمع كل السلطات بيده”.

وشدد ميشال نوفل على أن “نتائج هذه الانتخابات ستنعكس على خيارات السياسة الخارجية، بمعنى أن الأردوغانية كنهج في السياسة الداخلية والخارجية وصلت إلى القمة والآن بدأت تتراجع”، مشيرا إلى أنه منذ صعود حزب العدالة والتنمية ولأول مرة “تنخفض الشعبية 9 نقاط”.

ويؤيّد خبراء تحدّثت معهم “العرب” رأي ميشال نوفل بخصوص تأثير الانتخابات البرلمانية على السياسة الخارجية التركية، مشيرين إلى أن أردوغان، إخواني إسلامي بطبعه، ولا ينتظر أن يتخلّى تماما عن جماعة الإخوان والإسلاميين الذين يشاطرونه نفس التوجّه الأيديولوجي، على غرار حركة النهضة التونسية. لكن في نفس الوقت، ذلك لا يعني أن الرئيس التركي سيقبي على نفس الاهتمام والدعم للإخوان، في الأيام القادمة، على الأقل إلى غاية تشكيل الحكومة، أو إقرار إجراء انتخابات مبكّرة.
أكراد في البرلمان: تركيا تتغير لكن ليس على طريقة أردوغان
دياربكر - يأمل الأكراد في تركيا في أن يعزز نجاح حزب الشعوب الديمقراطي الموالي لهم في الانتخابات الأخيرة، مركزهم في البرلمان ويدفع عملية السلام المتعثرة الهادفة إلى إنهاء عقود من العنف في مناطق جنوب شرق تركيا.

وشهدت الانتخابات التي جرت الأحد، فوز حزب الشعب الديمقراطي بمقاعد في البرلمان لأول مرة بوصفه حزبا وليس مجموعة من النواب المستقلين. وتخطى الحزب عتبة العشرة بالمئة اللازمة لدخول البرلمان بفوزه بثمانين مقعدا من مقاعد البرلمان البالغة 550 مقعدا.

ويتوقع أن يستخدم الحزب نفوذه في محاولة إحياء عملية السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني المحظور الذي أسفر تمرده في مناطق جنوب شرق تركيا حيث تقيم غالبية كردية، عن مقتل عشرات الآلاف.

كما سيسعى الحزب إلى تحقيق مطالب الأكراد ومن بينها توفير التعليم باللغة الكردية للأطفال الأكراد في المدارس الحكومية. وصرح مسؤول في الحزب طلب عدم الكشف عن هويته في مدينة ديار بكر التي تسكنها غالبية كردية “أثبتت نتيجة الانتخابات أنه لا يستطيع أحد اتخاذ قرار بشأن الأكراد دون وجودهم”.

وقالت نورسيل ايدوغان، وهي نائبة في حزب الشعوب الديمقراطي، إنه “يجب قبول حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله أوجلان كشركاء في المحادثات إذا أريد لها النجاح”. وأضافت “لا أحد في تركيا لديه الصبر على احتمال فوضى جديدة. لا يمكن التضحية بالسلام”.

ويؤكّد مصطفى زهران، الباحث بمركز ستا التركي للدراسات، لـ“العرب”، أن حزب العدالة والتنمية كان بحاجة إلى هذا السقوط الانتخابي، كي يعيد حساباته من جديد، بعد أن أصابه الغرور، وتجاهل قادته مطالب واهتمامات الناخب التركي.

تركيز على الشأن الداخلي

يتوقع مصطفى زهران، أن تفشل الأحزاب التركية في تشكيل حكومة ائتلافية، وهو ما قد يدفع أردوغان للدعوة لانتخابات برلمانية جديدة، مستبعدا أن يكون لهذه النتيجة تأثيرات كبيرة على علاقة تركيا بالإخوان في الوقت الراهن، خاصة بعد إعلان داود أوغلو رئيس الحكومة أن بلاده ماضية في طريقها لنصرة “المظلومين في الشرق الأوسط”.

لكن لا ينفي أحمد بان، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، أن عدم حصول حزب العدالة والتنمية التركي على الأغلبية يعد ضربة موجعة لجماعة الإخوان، تتزامن مع ما تعيشه من انشقاقات. ويعتبر بان أن الشعب التركي قدّم، من خلال الانتخابات، تحذيرا قويا لرجب طيب أردوغان وحزبه، بأنه لن يسمح بتغيير شكل الدولة.

وقال محمد عبدالقادر، رئيس وحدة الشؤون التركية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام، إن نتائج الانتخابات “أنهت أحلام أردوغان في السيطرة على مؤسسات الدولة، بعد أن فشل في تحقيق الأغلبية التي تمكنه من تعديل الدستور والتحول للنظام الرئاسي”.

وأشار عبدالقادر لـ“العرب” إلى أن النتائج المخيّبة للآمال سوف تدفع حزب العدالة والتنمية للتركيز على الشأن الداخلي، والاهتمام بأولويات المواطن التركي الذي أثبت لأردوغان أنه هو الذي يحدد سياسات الدولة واتجاهاتها، لافتا إلى أن الشعب التركي عبر، بشكل غير مباشر، عن رفضه لتعاون حكومته مع التنظيمات المشبوهة، عبر صندوق الانتخابات. وتوقّع عبدالقادر أن يقلّ تدخل أردوغان في الشؤون الداخلية لبعض الدول الإقليمية خلال الفترة المقبلة.

ورجّح نشأت الديهي، الباحث في الشؤون التركية، أن تتسبّب نتائج الانتخابات في دخول البلاد في فوضى عارمة، لاسيما وسط الفشل المتوقع لأي ائتلاف حكومي، وفي ضوء تناقض أيديولوجيات غالبية الأحزاب التركية. وقال إن أول التأثيرات سوف تتبلور في شكل انفراط عقد السياسة الخارجية، فأي حكومة جديدة ستكون في مقدمة أولوياتها السعي إلى إعادة ترميم العلاقات مع الدول التي دخل أردوغان في عداوات معها.

6