تراجع تدفق الاستثمار إلى مصر لأدنى مستوى منذ 5 سنوات

البيروقراطية العميقة وطول إجراءات التقاضي تحديات طاردة للمستثمرين.
الأربعاء 2019/07/10
تحديات كثيرة في طريق جذب الاستثمارات

تجمع الأوساط الاقتصادية المصرية على أن التشريعات المتعلقة بتحسين بيئة الأعمال مازالت غير كافية لاستقطاب الاستثمار الأجنبي في ظل استمرار تحديات البيروقراطية العميقة وطول إجراءات التقاضي التي تخيف المستثمرين، إضافة إلى التقلبات والتوترات الإقليمية والعالمية.

القاهرة - لا تزال القاهرة تواجه تحديات جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مع أنها قطعت شوطا كبيرا في إصدار تشريعات تعزيز انسيابها بدءا من صدور قانون موحد للاستثمار وتحرير سعر صرف العملة واتخاذ خطوات جادة للإصلاح الاقتصادي، وحتى تحرير سعر المحروقات.

ولم تتجاوب الاستثمارات الأجنبية مع الثورة التشريعية المحفزة، لأنها تحتاج إلى حزمة شاملة من التحركات المشجعة على تحويل الوجهة من أسواق أخرى إلى السوق المصرية.

وشهد الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع غير النفطي انخفاضا لأدنى مستوى له في 5 سنوات خلال الربع الأول من العام الحالي، حيث بلغ 400 مليون دولار، مقابل 720 مليون دولار في الربع الأول بمقارنة سنوية.

وكشف تقرير مناخ الأعمال الذي يصدره البنك الدولي سنويا عن عدد من أوجه القصور، التي لم تشتغل عليها القاهرة بشكل دقيق، وهو الدور الأصيل لوزارة الاستثمار والتعاون الدولي.

نهى الغزالي: نتوقع تحسنا قريبا مع الصفقات التي عقدتها بنوك الاستثمار
نهى الغزالي: نتوقع تحسنا قريبا مع الصفقات التي عقدتها بنوك الاستثمار

وأظهر التقرير مؤشرات متأخرة في عمليات إنفاذ العقود، وجاءت مصر في المركز 160 ضمن القائمة التي تضم 190 دولة، وهذا المؤشر كفيل لأن يدير المستثمر الأجنبي ظهره للقاهرة.

وزاد من ذلك مؤشر جودة الإجراءات القضائية، حيث منح التقرير مصر درجة 5.5 من إجمالي 18 درجة، إلى جانب طول عدد أيام التقاضي وإنفاذ العقود وفق التقرير لتصل لنحو 1010 أيام.

وتعكس هذه المؤشرات غياب الرؤية في إدارة ملف الاستثمار الأجنبي المباشر لوزارة الاستثمار والتعاون الدولي، والتركيز على التصريحات المتفائلة حول الفورة المتوقعة بعد إصدار تشريعات جاذبة للاستثمار.

ويفتقد هذا الملف إلى حرفية عالية في عمليات الترويج التي تتم بطرق تقليدية حتى الآن، في ظل منافسة عالمية تسعى فيها الدول لاقتناص فوائض رؤوس الأموال، رغم امتلاك القاهرة لمقومات قد تجعلها منافسا قويا في هذا السباق.

وأمعنت الحكومة في التصريحات البراقة منذ مؤتمرها الاقتصادي في مارس 2015، لكن هذا الحماس لم يكتمل، وظل قانون الاستثمار الموحد، الذي كان حديث المؤتمر حبيس الأدراج لنحو عامين نتيجة البيروقراطية العميقة.

وتسعى القاهرة حاليا لمواجهة المشكلة من خلال رقمنة المعاملات وتأسيس الشركات، إلا أن تلك المنظومة تحتاج إلى تعميم يمتد لمنح تراخيص تشغيل المنشآت، دون اقتصار على إجراءات التأسيس وحدها.

وأصبح استنساخ التجارب العالمية في أساليب فض المنازعات ضروريا، لأن هذا الأسلوب من أهم مقومات جذب الاستثمار، والبرهان المنازعة الشهيرة للملياردير المصري نجيب ساويرس مع مصلحة الضرائب المصرية، حيث ظلت داخل أروقة البيروقراطية منذ عهد الإخوان المسلمين في عام 2013 وحتى يونيو الماضي.

وأرجع أيمن أبوهند الشريك المؤسس بشركة كارتل كابيتال للاستثمار المباشر، انخفاض الاستثمارات الأجنبية إلى تراجعها على المستوى العالمي خلال 2018 بسبب الأزمة التي تعرضت لها الأسواق الناشئة واشتعال الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ما أدى إلى تعطل الاستثمارات العابرة للقارات.

وقال لـ”العرب” إن “ظهور أطروحات المنافسين لمصر في الشرق الأوسط حول جذب الاستثمارات كانت قوية وأدت لتباطؤ تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وفي المقدمة السعودية والكويت والإمارات وتونس، فضلا عن غياب الرؤية الاقتصادية لدى الحكومة وعدم وجود اتجاه واضح، صناعيا كان أم زراعيا أم خدميا يركز على الرعاية الصحية والتكنولوجيا”.

ويرى كثيرون أنه من الصعوبة جذب استثمارات من خلال تصريحات المسؤولين حول تنوع الاقتصاد المصري، فمثل هذه الطرق لا تصلح كوسيلة ترويج للمستثمرين الأجانب، وتحتاج القاهرة للتركيز على قطاع أو اثنين وتهيئة البيئة الاستثمارية لهما، فمثلا الهند تشتهر بالتعهيد، والصين بالتصنيع.

أحمد الشامي: التوترات في الشرق الأوسط عطلت تدفقات الأموال
أحمد الشامي: التوترات في الشرق الأوسط عطلت تدفقات الأموال

وحققت تجربة القاهرة في قطاع النفط نتائج إيجابية، واستطاعت جذب استثمارات أجنبية للقطاع عندما ركزت في الترويج له بشكل قوي، وأدى في النهاية إلى نتائج ملموسة أهمها تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز بدلا من استيراده من الخارج.

واعتبرت نهى الغزالي رئيس قطاع الترويج في بنك الاستثمار فاروس، تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجعا مؤقتا، ومتوقع أن يتحسن خلال العام المالي الحالي، في ظل الصفقات التي تعقدها بنوك الاستثمار مع مستثمرين أجانب في قطاعات غير نفطية.

وأوضحت لـ”العرب” أن مصر سوق استهلاكية كبيرة وتستوعب تعدد المستثمرين في قطاع واحد حتى مع مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص، ومن خلال جولات الترويج في الخارج، ثمة رغبة لدى الأجانب لضخ استثمارات جديدة، ما يعزز التعافي مجددا.

وتزاحم الحكومة المستثمرين في القطاع العقاري، إلا أنها لا تمتلك شركات بدرجة كافية لتنفيذ مشروعاتها، وتقوم بتشغيل شركات القطاع الخاص من الباطن، ما يخلق فرصا استثمارية لهذه الشركات، لكن مصر تحتاج فورة في قطاع الصناعة بنفس قوة فورة قطاع العقارات.

ويرى أحمد الشامي رئيس جمعية مستثمري السويس أن هناك عوامل خارجية تضاف إلى تحديات جذب الاستثمارات المباشرة لمصر، أهمها المناوشات السياسية والمشروعات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط.

وأشار لـ”العرب” إلى أن المستثمر الأجنبي ينظر إلى هذه المنطقة بالكامل فيجد مخاطر عديدة، بجانب تصريحات نارية بين واشنطن وطهران، ما يزيد من الارتباك في المنطقة.

ويفضل المستثمرون في النهاية أن تكون أعمالهم في منطقة مستقرة، وليس دولة مستقرة سياسيا في منطقة تحيط بها التوترات من جوانب مختلفة.

وقال حسام الغايش، خبير الاستثمار والتمويل، إن “غياب العمالة المدربة والمتخصصة عائق إضافي أمام المستثمرين الأجانب، بسبب كراهية العديد من الشباب العمل في المصانع، تزامنا مع غزو مركبات توك توك لشوارع مصر”.

ولفت في تصريح لـ”العرب” إلى أن نسبة كبيرة من الشباب يعتبرون شراء مركبة “توك توك” مشروعا مربحا، بالتالي يفضل أن يكون صاحب عمل وليس عاملا في مصنع، الأمر الذي دفع العديد من أصحاب المصانع إلى استقدام عمالة من دول أسيوية وأفريقية متباينة.

ويقف هذا البعد تحديا أيضا أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية بعد أن كانت العمالة المصرية الرخيصة من مقومات جذب الاستثمارات إلى البلاد.

11