تراجع سلطة الأب لا يؤثر سلبا على تربية الأطفال

خلقت المتغيرات الاجتماعية التي نعيشها يوميا تحولا على مستوى الأدوار داخل الأسرة، كما أنتجت شبه استقالة للآباء وتراجعا ملحوظا في سلطتهم، لكن هذا لم يؤثر سلبا على تربية الأبناء وفق علماء النفس.
الخميس 2019/10/17
تربية الأبناء تستحق أبا لينا

شهدت الأسرة التونسية تحولا كبيرا في تركيبتها الديموغرافية وأصبح النمط الأسري المتكوّن من زوجين وأبناء هو النمط المسيطر بنسبة 70 بالمئة، مقارنة بالأسرة الممتدة التي كانت تتكون من الجد والجدة وحتى من العم أو العمة.

هذا التحوّل على المستوى الديموغرافي رافقه تراجع على مستوى الأدوار داخل الأسرة، فتآكلت سلطة الأب تدريجيا، حيث لم يعد العمود الفقري للأسرة وصاحب الكلمة الفصل فيها، ولم يعد رأس الهرم ومركز السلطة، بل أصبح دوره ثانويا ورأيه قابلا للنقاش إن لم نقل مرفوضا في أغلب الأحيان.

وقد عززت المنظومة القانونية تراجع سلطة الأب بالمصادقة على قانون تجريم ضرب الأبناء الذي ألغى عبارة “وتأديب الصبي ممن له سلطة عليه لا يستوجب العقاب” الواردة بالفصل 319 من المجلة الجزائية ليصبح السّجن 15 يوما نافذة مع غرامة مالية، وهي العقوبة التي تنتظر كلّ أب تونسي يؤدب ابنه.

وفي تشخيصها للظاهرة قالت أستاذة علم الاجتماع فتحية السعيدي إن الدراسات السوسيولوجية بيّنت أن هناك تغيّرا قد طرأ على الأسرة برمّتها بحكم المتغيّرات الاجتماعية التي ارتبطت أساسا بنسق الحياة اليومية، إذ نجد الأب وألام على حد سواء قد أصبحا يوكلان جزءا من عملية التنشئة الاجتماعية التي من المفروض أن تضطلع بها الأسرة إلى مؤسسات أخرى، مثل رياض الأطفال والمدرسة والى المعينات المنزليات.

وأكدت لـ”العرب” أن بعض الدراسات أشارت إلى وجود نوع من الاستقالة للآباء، خاصة في حالات الطلاق، حيث يتنكّر الطليق لدوره كأب في حالة فراقه عن زوجته، ويستقيل تماما من كل المهام الموكولة له، وهذا مرتبط حسب رأيها بعقلية اجتماعية سائدة، وخاصة بردود فعل انفعالية.

وفي حين يؤكد أغلب المتابعين للشأن الأسري في تونس التأثير السلبي لتراجع دور الأب في العائلة على تربية الأبناء، يؤكد بعض علماء النفس نسبية هذا الرأي ويشيرون إلى أن تراجع سلطة الأب يمكن أن تكون لها إيجابيات، خاصة إذا كان هذا الأب من النوع القاسي أو المنفرد بالرأي ليعززوا بذلك مقولة “لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم”.

وقد أقام الدكتور محمد بن عمار الأستاذ في علم النفس السريري تفرقة في نوعية الآباء الذين نقابلهم في حياتنا اليومية بين أب قاس يقطع عملية التفكير عن ابنه ويولّد فيه إما سلوكيات ثائرة وإما خضوعا مذلا ومهينا، وبين أب ليّن يتصف بالتلقائية ويساعد على توفير أجواء للحوارات والانفتاح وبناء العلاقات على أسس معقولة.

ويرى الدكتور بن عمار أن الخاضع منذ طفولته لا يكون قادرا على بناء علاقات على الإطلاق. وأشار إلى أن كل النظريات تعطي أهمية للسنوات الست الأولى من حياة الإنسان، وهي السنوات التي تكون عبارة عن تسجيلات خارجية يتلقاها الطفل، وتصبح بالنسبة إليه من المسائل والقيم التي لا يمكن أن تتغيّر.

وأضاف الدكتور بن عمار أنه بداية من المرحلة العمرية الثانية يشتغل الفرد ويبدأ في التفكير والتسجيل المنطقي، ويوجد لديه شبه بحث عن توازن المعلومات، ووضع كل ذلك تحت المحكّ قبل أن يمرّ إلى مرحلة إشباع الحاجيات والأحاسيس، وفق مبدأ اللذة بالأساس.

كما تشير بعض الدراسات إلى التغيّر الطارئ على العلاقات العائلية التقليدية عن طريق إعادة توزيع السلطة داخل العائلة، وتمتيع الزوجة بقدر أكبر من المشاركة في إدارة شؤون المنزل والإنفاق على مستلزمات البيت، وفي علاقة الآباء بالأبناء، حيث أصبحت علاقة الأب أقرب بكثير إلى الديمقراطية منه إلى التسلط والقهر، وأصبح الأهل ينفذون قراراتهم بالعاطفة والتفاهم لا بالسلطة الأبوية والقوة، وازداد تمتع الأبناء بالحرية في تقرير شؤونهم الذاتية المتعلقة بالزواج والدراسة والعمل.

تقول حنان الدشراوي مدرسة وأم لبنتين “تربينا مع أب لا يمكن وصفه بالمتسلط لكن أيضا لم يكن ديمقراطيا فلا رأي يعلو فوق رأيه، ولا مجال لمناقشة أفكاره حتى ولو كانت ستلحق الضرر بأبنائه، فأنا مثلا لم أحصل على الشعبة التي أريد واضطررت إلى دراسة مهنة التعليم عوضا عن الموسيقى التي كانت عشقي الأبدي لأرضي فضول والدي”.

وتضيف، لكن ما إن تزوجت وأنجبت، وكبرت ابنتاي، حتى ألحقتهما بنادي للموسيقى لتعلم العزف والغناء، حتى أراهما تحققان ما لم أستطع تحقيقه، فزوجي ليس أبا متسلطا ورؤيته للأشياء تختلف عن والدي.

أصبحت علاقة الأب أقرب بكثير إلى الديمقراطية منه إلى التسلط والقهر، وأصبح الأهل ينفذون قراراتهم بالعاطفة والتفاهم

من جهته يؤكد محمد المختاري أنه لا يريد أن يكون أبا متسلطا حتى لا يجني نتائج عكسية تعود على أبنائه بالوبال، فهو قد اختار من تلقاء نفسه أن يحد من سلطته داخل المنزل.

ويقول المختاري “بحكم ظروف العمل لا أجد الوقت الكافي للتدخل في شؤون العائلة والأبناء، لكن هذا لا يعني غيابي التام عنهم فأنا أراقبهم عن كثب لكن دون أن أعكّر صفو مزاجهم أو أكون سببا في شقائهم”.

ويضيف، تربية الأبناء لا تستحق أبا متسلطا أو كثير الصراخ، فيمكن أن يكون حاضرا في ذهن أبنائه حتى ولو كان غائبا عنهم جسديا.

وتشاطر سناء ذات الخمس والأربعين سنة ما ذهب إليه محمد المختاري في أن سلطة الأب داخل الأسرة يجب أن تكون محدودة حتى لا يؤثر سلبا في تربية الأبناء، وتشتكي من زوجها كثير التدخل في شؤون العائلة والأبناء إلى حد التسلط.

وتوضح سناء “كثرة تدخل زوجي في التفاصيل الدقيقة لحياة ابنتيّ لم تجعلهما تكبران بصفة طبيعية مثل أترابهما، فهما لا تجيدان حتى اللعب مع الأصدقاء وعادة ما تتعرضا للضرب لأنهما لا تحسنان الدفاع عن نفسيهما”.

وتضيف “من شدة خوفه عليهما ومن كثرة غضبه الدائم حوّل البيت إلى جحيم، وما إن يغادره حتى نحس براحة نفسية كبيرة”.

من جهتها تقول هدى “اخترت أن أنهي علاقتي الزوجية وأن أعود إلى بيت والدي منذ أن كانت ابنتي في سن الحضانة. وتضيف اخترت أن أنفق عليها من مالي الخاص وأن ألحقها بمدرسة خاصة، وها هي الآن من المتميزات، فغياب والدها لم يؤثر على تنشئتها بل بالعكس ساهم بعده عنها في أن تتربى بصفة متزنة، خاصة وأنه كان بخيلا ومعدوم الضمير”.

وتختلف هدى في هذا الجانب مع رئيس الجمعية التونسية للنهوض بالأسرة حاتم المنياوي الذي أكد على ضرورة أن تكون سلطة الأب حاضرة ولو معنويا حتى ولو كان هذا الأب متسلطا أو دون ضمير.

وقال في تصريح لـ”العرب”، إن انعدام سلطة الأب داخل الأسرة يساهم في انحراف الأبناء، مشيرا إلى أن غياب الأب في المجتمع التونسي يعدّ كارثة على الأسرة.

ودعا الآباء إلى أن يبذلوا جهدا كبيرا في تربية أبنائهم، ويظهروا لهم حبهم وشعورهم بمكانتهم ودورهم الرئيسي في حياتهم، وأن يدرك الآباء أن دورهم لا ينتهي عند مرحلة معيّنة، بل يجب أن يكونوا دائما موجودين ومنخرطين في حياة أبنائهم.

21