تراجع عوائد النفط ينذر بكارثة اقتصادية واجتماعية في الجزائر

الخميس 2015/01/08
الجزائريون خرجوا من الصمت والاحتجاجات تنذر بالانفجار

الجزائر- اتسعت المؤشرات التي تؤكد أن الجزائر تنحدر نحو أزمة اقتصادية واجتماعية واسعة بسبب انهيار أسعار النفط العالمية واعتمادها بنسبة 97 بالمئة على عوائد صادرات الطاقة. ويهيمن الارتباك على السلطة الجزائرية التي تحاول استثمار احتياطاتها المالية المتراجعة لتهدئة الجبهة الاجتماعية الملتهبة.

لم تخفف تطمينات الحكومة الجزائرية من قلق معظم الجزائريين وتوجّسهم من إمكانية مواجهة البلاد أزمة خانقة في ظل استمرار تراجع أسعار النفط، الذي يعد موردا أساسيا لعائدات الدولة، وفي ظل غياب حلول جذرية لأزمتي البطالة والسكن.

ويرى مراقبون أن القيادة الجزائرية تقف عاجزة أمام ارتدادات تراجع أسعار النفط وقد تضطر لمراجعة سياسة دعم أسعار المواد الأساسية والخدمات، وقد تلجأ إلى إجراءات تقشف جديدة بسبب غياب موارد أخرى يمكن التعويل عليها لتعويض خسائر قطاع النفط. وقالت صحيفة “لاتربيون” اليومية الفرنسية، الاثنين، إنه “رغم إنفاق الحكومة الجزائرية مليارات الدولارات من عائدات النفط، من أجل تهدئة الجبهة الاجتماعية، فإن الجزائريين يواصلون خروجهم إلى الشارع للمطالبة برفع الأجور وتحسين ظروف حياتهم”.

وفي حال لجأت الحكومة الجزائرية إلى خفض الدعم عن أسعار بعض المواد الأساسية والخدمات وإقرار إجراءات تقشف جديدة – وهو أمر وارد حسب بعض التقديرات - فإن ذلك سيؤثر بشكل كبير على المستوى المعيشي خاصة للمواطنين محدودي الدخل.


حلول ترقيعية


وقد حذر أحمد بن بيتور، رئيس الحكومة الجزائرية الأسبق، والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية في العام الماضي، من اللجوء إلى سياسة التقشف التي قد تعتمدها الحكومة.

وقال إن “سياسة التقشف ليست سوى اقتطاعات مالية هامشية غير مجدية”، وشبّه هذا الإجراء بقُرص الأسبرين الذي يعطَى لمصاب بالسرطان.

ولم يستبعد المسؤول الجزائري الأسبق تدهور الأوضاع الاقتصادية في الجزائر نتيجة انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية. وتوقع أن يؤدي انخفاض الأسعار حتما إلى تسارع واضح في انخفاض إيرادات الجزائر خلال عام 2015.

وقال لصحيفة “الوطن” الجزائرية إنه “ستكون هناك عواقب كارثية، لأن قادة البلاد أداروا الرخاء المالي السابق بكثير من التراخي، فأغرقوا اقتصاد البلاد في تبعية قصوى لإيرادات تصدير المحروقات”.

صحيفة "لاتربيون": أجواء التوتر نتيجة لعرقلة القرارات على مستوى رأس الدولة

ولا يستبعد محللون جزائريون أن يؤثر تراجع أسعار البترول على بعض الآليات التي أقرتها الحكومة الجزائرية والتي تعول على تنفيذها اعتمادا على ما يدرّه عليها قطاع النفط من عائدات.

ومن هذه الآليات التي قد تتأثر بتراجع أسعار النفط، الصندوق الوطني للتأمين ضد البطالة والوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب ووكالة القروض الصغرى، التي تمنح قروضا صغيرة لخريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا.

وتؤكد تقارير جزائرية أن هذه الهيئات التي ضخت فيها الحكومة أكثر من 1.5 مليار دولار في إطار خطط تتعلق بالتشغيل وإنجاز المشاريع الصغرى، لم تخفف من أزمة البطالة ولم تخلق فرص عمل حقيقية.

ويعتبر مراقبون ومعارضون جزائريون أن السلطة الحاكمة تعتمد على هذه الهيئات كمسكّنات للأزمة ومحاولة لامتصاص الغضب الشعبي. ورجحوا ألا تتمكن الحكومة من خلال الاعتماد على تلك الهيئات من شراء السلم الاجتماعي وإحداث تقدم حقيقي على مستوى التشغيل.


ارتباك حكومي


وتقول الحكومة الجزائرية إنها تملك احتياطات من العملة الصعبة كافية لتغطية قيمة الواردات لثلاث سنوات، غير أن هذه التطمينات اعتبرت من قبل شق من المعارضة مجرد مسكّنات لا ترقى لمستوى التحديات التي تواجهها الجزائر.

ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية عن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، قوله هذا الأسبوع، إن بلاده تستطيع مواجهة تراجع أسعار النفط في السوق الدولية.

أحمد بن بيتور: عواقب كارثية نتيجة إدارة الرخاء المالي السابق بكثير من التراخي

ولم يخف بوتفليقة أن الأزمة تثير القلق لكنه قال إن الجزائر تملك هامش مناورة نتيجة التسديد المسبق لأغلبية الديون العمومية، إضافة إلى امتلاكها “احتياطات أجنبية وكذلك الادخار العمومي المتوفر على مستوى صندوق ضبط الإيرادات”، على حد تعبيره.

وتواجه الموازنة الجزائرية لعام 2015 عجزا كبيرا يصل إلى 52 مليار دولار، وستضطر الحكومة لسد هذا العجز من صندوق ضبط الإيرادات الذي يمتلك حاليا أكثر من 55 مليار دولار.

ويمول هذا الصندوق في العادة الفارق بين السعر الحقيقي لبرميل النفط والسعر المقدر في موازنات السنوات الماضية، إضافة إلى الاستفادة من احتياطيات نقدية كبيرة تقدر بنحو 194 مليار دولار.

معارضة شرسة

وفي المقابل يقول بعض أقطاب تنسيقية الانتقال الديمقراطي (ائتلاف من أحزاب المعارضة) إن “الحكومة فشلت في إدارة الوضع الاقتصادي والاجتماعي” باعتماد خيارات اقتصادية لا تلبي الاستحقاقات الاجتماعية ولا ترقى إلى مستوى التحديات الخارجية التي تواجهها الجزائر.

وأشاروا إلى غياب البدائل لمواجهة انهيار أسعار النفط في السوق العالمية. واعتبروا أن ما تواجهه الجزائر من تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية أكبر من أن تعالجها أنصاف حلول هي أقرب إلى المسكنات منها إلى المعالجة الجذرية.

وتبقى نذر الأزمة الاقتصادية مفتوحة على كل الاحتمالات مع تواصل التوترات الاجتماعية في عدد من المدن الجزائرية ومنها مدن الجنوب التي انتفض سكانها رفضا لمشروع التنقيب عن الغاز الصخري.

وترى صحيفة “لاتربيون” الفرنسية أن تلك الاحتجاجات قد لا تكون خارج “سياق سياسي يتسم بالتوتر بسبب عرقلة القرارات على مستوى رأس الدولة، ونتيجة للأزمة السياسية والاجتماعية التي تشهدها الجزائر منذ عدة أشهر”.

ويقول مراقبون أن الحكومة أمعنت في دفاعها المستميت عن إنتاج النفط الصخري، الذي يكشف حجم أزمتها، حين انضمت وزيرة البيئة دليلة بوجمعة في التقليل من خطورة استخراج الغاز والنفط الصخري، وهي التي يفترض أن تدافع عن البيئة.

10